في تحرك ميداني نادر منذ توقف العمليات العسكرية المكثفة في قطاع غزة، شهدت الأيام الماضية دخول معدات مصرية ثقيلة إلى داخل القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، لتشارك في عمليات البحث عن جثامين الأسرى الإسرائيليين المفقودين تحت الأنقاض وفي المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة خلال الحرب الأخيرة.
الصحفي حسام أبو خاطر من غزة أكد لـ “القصة” أن المعدات دخلت القطاع قبل 3 أيام تقريبًا، وبدأت بالتحرك داخل مناطق جنوب القطاع، خاصة في شرق رفح ومحيط خان يونس، وهي المناطق التي يُعتقد أنها تحتوي على أنفاق أو مواقع شهدت اشتباكات سابقة.
وأوضح أبو خاطر أن التحرك يتم بإشراف مصري مباشر، مع وجود تنسيق ميداني محدود مع بعض الفرق المحلية لتسهيل حركة المعدات داخل المناطق المدمرة، مشيرًا إلى أن الجانب المصري يتعامل بحذر واضح، ويحاول أن يوازن بين تنفيذ بنود الصفقة الأخيرة وبين تجنّب أي حساسية داخل الشارع الفلسطيني تجاه وجود معدات أجنبية داخل غزة.
الدور المصري: توازن بين الإنسانية والسياسة
التحرك المصري جاء بعد فترة من الجمود في المفاوضات الخاصة بالصفقة الإنسانية بين القاهرة وتل أبيب، والتي تتعلق بتبادل الأسرى والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار.
ويقرأ مراقبون الخطوة على أنها محاولة مصرية لإتمام بنود الصفقة ومنع إسرائيل من الانقلاب عليها أو تعطيلها، خصوصًا في ظل مؤشرات على تصعيد سياسي داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن التزاماتها.
الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، قال في تصريحات خاصة لـ “القصة” إن هذه الخطوة تعكس حرص مصر على التزام كل الأطراف بوقف إطلاق النار، وعدم ترك أي ذريعة أو ثغرة تساعد نتنياهو على انتهاك الاتفاق”.
نتنياهو لا يقيم وزنًا إلا للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك يتوقف الأمر كله على مدى استعداد ترامب للدخول في مواجهة معه إذا أصر الأخير على التحلل من التزاماته وواصل خرق الاتفاق، يقول “نافعة”.
ويضيف أن مصر بالتأكيد ستحاول تأمين الاتفاق والضغط من أجل تنفيذه، لكنها تواجه حدودًا واضحة في قدرتها على التأثير على نتنياهو، بينما يتمتع الأخير بقدرة أكبر على التأثير في الموقف الأمريكي، وهو ما يجعل الدور المصري دقيقًا ومحفوفًا بالتحديات.
تصريحات اللواء محمد رشاد: قراءة استراتيجية
في تصريح مطول خاص لـ”القصة”، قال اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات العامة السابق إن مصر حريصة دائمًا على استمرار وقف إطلاق النار، وإسرائيل تبحث باستمرار عن أي ذريعة لكسره، والحجة التي تستخدمها إسرائيل الآن هي موضوع الجثث الموجودة تحت الأرض، مصر تساعد حماس على البدء في استخراج هذه الجثث حتى لا تستخدمها إسرائيل كذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.
في الوقت نفسه، مصر تشارك وتنادي بإعادة إعمار غزة، إزالة الركام وتمهيد الطرق ليست مجرد عمليات لوجستية، بل هي جزء من إعداد الأرض للشركات التي ستشارك في إعادة إعمار القطاع هذا التوازن بين دعم استخراج الجثث وحماية وقف إطلاق النار وبين تمهيد إعادة الإعمار يعكس حرص مصر على عدم إعطاء أي طرف ذريعة لخرق الاتفاق، بحسب “رشاد”.
وعن الدور الأمريكي فشدد على أن وقف إطلاق النار موقف أمريكي في الدرجة الأولى، يتماشى مع الموقف المصري، لكن الالتزام الفعلي يعتمد على مدى قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بالهدوء، لأن إسرائيل تحاول أحيانًا الالتفاف على الالتزامات، لكن الموقف الأمريكي صارم وواضح في ضرورة استمرار وقف إطلاق النار.
ردود فعل السكان المحليين
شهود ومراقبون محليون في جنوب القطاع أشاروا إلى أن دخول المعدات المصرية خلق حالة من الترقب والفضول بين السكان، الذين اعتادوا على أن تكون كل التحركات الكبيرة مقتصرة على الفرق الفلسطينية المحلية.
يقول أحد سكان شرق رفح: “الناس هنا بتتابع كل حركة للمعدات، في خوف بسيط من الحساسية السياسية، لكن كمان في أمل إن ده يكون بداية لإعادة إعمار أو استقرار”.
مواطن آخر من خان يونس علق على هذا التطور قائلا: الخطوة دي تعطي إحساس بالاطمئنان، إن في جهة بتحاول تحمي الاتفاق وتمنع أي استغلال من إسرائيل، وكمان بتفتح أمل إن الأمور تمشي في مسار الإعمار.
الجانب الإقليمي والدولي
المحللون يرون أن الخطوة المصرية تحمل أبعادًا إنسانية وسياسية متشابكة؛ فهي تؤكد على التزام القاهرة بدورها الإقليمي في حفظ التهدئة وضمان تنفيذ التفاهمات، بينما ترسل رسالة للأطراف الدولية بأن مصر ما زالت اللاعب الأكثر ثقة على الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية.
ويضيف اللواء رشاد: “نحن في القاهرة لا نواجه ضغوطًا مباشرة، بل نطالب الدول الضامنة لوقف إطلاق النار بالمساهمة في إعادة بناء غزة، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة يجب أن تواصل إلزام إسرائيل بالالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، مهما كانت المناوشات الطفيفة التي قد تحدث بين حماس وإسرائيل”.
التساؤل الأكبر
في ظل التوتر القائم، يبقى السؤال: هل تنجح هذه الخطوة المصرية في تثبيت الاتفاق الهش ومنع انهياره، أم أن تل أبيب ستواصل المناورة بحثًا عن مكاسب جديدة؟
الإجابة، كما يقول “نافعة” ستظل مرتبطة بمدى استعداد واشنطن لتقييد نتنياهو، ومدى إصرار القاهرة على ألا يتحول الصمت إلى غطاء لانتهاكات جديدة.
أما بالنسبة للمواطنين في غزة، فإن كل حركة للمعدات المصرية تذكرهم بأن هناك من يحاول حماية وقف إطلاق النار، ومن جهة أخرى تمهيد الأرض لمرحلة إعادة الإعمار التي طال انتظارها، لتعود الحياة بشكل تدريجي إلى مناطق دمرتها الحرب.