تخوض المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” في مركزي أشمون والشهداء بمحافظة المنوفية سباقاً مع الزمن لتطوير البنية التحتية لعشرات القرى.
فبرغم الأرقام الرسمية الضخمة التي تؤكد استهداف حوالي 75 قرية بتكلفة تخطت الـ 25 مليار جنيه لإنشاء وتطوير الوحدات الصحية، والمدارس، ومجمعات الخدمات، وشبكة طرق وكهرباء ومياه، إلا أن قطاعاً كبيراً من الأهالي يعبر عن استيائه بسبب تعطل تشغيل بعض هذه المنشآت، لتتحول فرحة التطوير إلى تساؤلات ملحة حول غياب الخدمات الفعلية.
صرخات الأهالي وشكاوى القرى المستهدفة
في قرية سمادون بمركز أشمون، يعبر الحاج سيد عبد الرحمن عن استيائه من استمرار المعاناة، والزحام في وحدات صحية بلا خدمة تذكر، متسائلاً عن جدوى الشكل الجمالي للمركز الصحي الجديد الذي يمر عليه يومياً وهو مغلق الأبواب.
وفي قرية دراجيل بمركز الشهداء، يوضح محمد الهواري أن نقاط الإسعاف والمطافي الجديدة بنيت منذ أكثر من ثلاث سنوات، وما زالت حتى الآن مجرد مبانٍ خرسانية بلا معدات أو موظفين، مما يترك الأهالي في مواجهة الخطر والتأخير المستمر عند وقوع الكوارث بسبب بعد المسافة وسوء الطرق الداخلية.
وفي ذات السياق، يشكو السائق أحمد مختار من قرية شطانوف بأشمون من استمرار تكدس الأسواق العشوائية التي تسد الشوارع الرئيسية، وتتسبب في ازدحام وشلل مروري تام، رغم مرور أربع سنوات على بناء السوق الحضاري الذي لا يزال هيكلاً خرسانياً مهجوراً يجبر التجار على الافتراش في الشوارع.
وفي نفس المشهد بقرية دنشواي بمركز الشهداء، تؤكد فاطمة حسن أن أزمة المواصلات مستمرة؛ فبرغم إنشاء موقف نموذجي متكامل، إلا أنه ظل بلا موظفين أو خطوط سير معتمدة، مما يضطر المواطنين للانتظار والركوب من على الطرق العامة معرضين حياتهم للخطر.
وعلى صعيد القطاع الصحي، يناقش الدكتور أحمد الغول الأزمة من زاوية تكدس الأجهزة والمعدات الطبية داخل المباني المغلقة، مما ينذر بتقادمها، وعدم مواكبة الأجهزة الحديثة، وتعرضها للتلف بفعل الرطوبة، فضلاً عن المعاناة المستمرة حتى في الوحدات التي تم تشغيلها بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية والمستلزمات.
ويضاف إلى هذه المشاهد المؤلمة، أزمة الطرق الداخلية، حيث يشتكي المواطنون من بطء شديد يعادل في إعادة تمهيد ورصف الطرق التي تم تكسيرها لمد المرافق، مما تسبب في عزل قرى كاملة، وشلل مروري، وعجز كلي عن سرعة إسعاف المرضى.
موقف الجهات التنفيذية والبرلمانية
على صعيد الرؤية البرلمانية، يرى النائب صابر عبد القوي، عضو مجلس النواب عن دائرة أشمون، أن المبادرة أنجزت ما عجزت عنه الحكومات السابقة بإدخال الصرف والغاز والنت وشبكات الكهرباء والمياه، لكنه انتقد بشدة إهدار عشرات الملايين على منشآت ومواقف وأسواق تترك مغلقة لسنوات، مطالباً بفتح تحقيق عاجل ومساءلة المقصرين وتشكيل غرفة عمليات لتشغيل ما هو جاهز فوراً، ليشعر المواطن بما تم من إنجازات حقيقية على أرض الواقع.
وفي تبريرات المحافظة، يوضح خالد النمر، السكرتير المساعد لمحافظة المنوفية، أن التأخير يرجع إلى تعقيدات ربط الشبكات الخارجية، واختبارات السلامة المهنية، والعجز الأكبر في توفر الأطباء والتمريض من قِبل وزارة الصحة التي لم تواكب سرعة الإنشاء، بينما تعود أزمة بطء رصف الطرق إلى الالتزام بالميزانيات والمخصصات التي ترصدها الدولة.
أما عن دور الإدارة المحلية، فيؤكد طارق أبو حطب، رئيس مركز ومدينة أشمون، أن المحليات أنجزت ما عليها، وسلمت معظم المشروعات وفق جداول زمنية رسمية، مبيناً وجود ضغط يومي مستمر لتذليل العقبات البيروقراطية وتشغيل الأصول بالكامل ليشعر المواطن بالتحسن الحقيقي على أرض الواقع.
لكن في المقابل يرى الأهالي أن هذه وعود مستمرة لم تغير من واقع الطرق المتهالكة والوحدات الطبية والأسواق والمواقف المعطلة شيئاً حتى الآن.
وختاماً، يبدو أن “حياة كريمة” نجحت في تغيير “شكل” القرية المنوفية، لكنها ما زالت تتعثر في تغيير “مضمون” الخدمة؛ فالإنجاز الذي يراه المسؤول رقماً في تقرير، يراه المواطن باباً مغلقاً يمر عليه يومياً.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كانت كل هذه المباني جاهزة منذ سنوات، فلماذا ما زال المريض يسافر للمدينة للعلاج، والتاجر يفترش الشارع، والمواطن ينتظر الإسعاف من بعيد؟ وأليس تأخير تشغيل منشأة جاهزة هو قمة الإهدار للمال العام الذي خرج من جيب المواطن؟