كان حسام صابر في العشرين من عمره عندما وجد نفسه مضطرًا إلى تحمل مسؤولية أسرته في غياب والده. كانت شقيقته، التي كانت تبلغ 18 عامًا وقتها، تريد خوض تجربة العمل، لكنه رفض باعتباره المسؤول عنها.
لم يتوقف الخلاف عند رفضها قراره، إذ تحولت المناقشة بينهما إلى مشاجرة بعدما قالت له إنه لا يحق له التدخل في حياتها، وواجهته بفشله الدراسي. يقول حسام إنه كان على وشك ضربها، لكنه تراجع لأنه لم يعتد ضرب شقيقاته، واتجه بدلًا من ذلك إلى تكسير بعض أغراض المنزل، ما أدى إلى إصابته بجروح عميقة في يده.
لا يرى حسام نفسه عنيفًا تجاه شقيقته. ورغم رفضه ضربها، فإنه لا يزال يرى أن من حقه منعها من العمل أو الدراسة خارج المحافظة، خوفًا عليها ولأنه يتحمل مسؤوليتها. ويعتبر أن ما حدث بينهما كان خطأ، لكنه يرى أيضًا أنها “جرته إلى العصبية في ساعة شيطان” بعدما واجهته بما اعتبره إهانة له كرجل.
لا تبدأ السيطرة على المرأة دائمًا من الاعتداء الجسدي. أحيانًا تظهر في صورة قرارات يعتبرها الرجل جزءًا من مسؤوليته: أين تذهب، هل تعمل، متى تخرج، وما إذا كان يحق لها اتخاذ قرار يخص حياتها من دونه.
حين تصبح الحماية حقًا في المنع
محمد عادل، 27 عامًا، محاسب ومتزوج، يرفض ضرب زوجته أو شقيقته، لكنه لا يرى أن كل أشكال التحكم في المرأة تدخل ضمن العنف.
عندما تعرضت إحدى النساء في محيطه للضرب من زوجها، رأى أنها أخطأت عندما سبته بعد اعتدائه عليها، ويضيف: “جرحت رجولة زوجها”.
ولا يرى عادل أن منع الزوجة من العمل أو تحديد مواعيد خروجها يمثل عنفًا، لأنه يعتبر نفسه المسؤول عن الأسرة. وما دام قادرًا على الإنفاق وتلبية احتياجات المنزل، فلا يرى سببًا لخروجها للعمل.
ويقول إن خروج الزوجة يجب أن يكون لسبب، لأنه يرى أن الشارع ليس آمنًا عليها، ويفضل أن يكون معها في الخروج للترفيه أو إلى الأماكن التي يمكن أن تتعرض فيها للمضايقة.
ويقول: “لو نازلة معايا مفيش واحد هيضايقها عكس لو نزلت لوحدها”.
يرجع عادل هذه التصورات إلى ما يأمر به الشرع وما يراه في حياته اليومية. ويحترم زميلاته في العمل، لكنه لا يرى أن الاختلاط بين الرجال والنساء في بيئة العمل أمر مناسب، كما يقول إنه لم يفكر في الزواج من إحدى زميلاته.
في تصوره، لا تتعارض هذه القيود مع احترام المرأة، لأنها تأتي من موقع الرجل باعتباره المسؤول عنها. لكن بالنسبة للمرأة، يمكن أن يتحول القرار الذي يقدمه الرجل باعتباره حماية إلى قيد على حركتها واختياراتها.
“كلمته هي اللي تمشي”
أحمد عبدالعزيز، 24 عامًا، ممرض ومتزوج، يرى أن من حق الرجل أن تحترم المرأة رأيه وتقدر مجهوده في إدارة الأسرة وحمايتها.
ويعتبر عبدالعزيز أن رفض الزوجة لما يريده قد يتحول إلى عناد يدفعه إلى الغضب أو إلى رفض ما تريده هي، لأنه يرى أن الرجل “كلمته هي اللي تمشي” داخل المنزل.
يرفض عبدالعزيز خروج زوجته للعمل بسبب الاختلاط، رغم أنه كان زميلًا لها في العمل قبل الزواج. وإذا أرادت العمل بهدف النشاط والمشاركة، يرى أن يكون ذلك من المنزل أو من خلال إعطاء دروس خصوصية.
ويصف منع الزوجة من العمل بأنه حماية لها من مضايقة الرجال في مكان العمل أو خارجه، ويقول: “دي مش غيرة أنا بحاول أحميها من كلمة أو نظرة تجرحها برا البيت”.
ويفصل أحمد بين ذلك وبين الغيرة التي يراها صفة سيئة، ويعتبرها سلوكًا للرجل غير المكتمل الرجولة. كما يرى أن مسؤولية الرجل هي توفير احتياجات المنزل وفق قدرته مقابل تفرغ الزوجة لإدارة شؤون المنزل.
ويربط أحمد هذه التصورات عن العلاقة بين الرجل والمرأة بالدين وبما يراه نموذجًا للأسرة السوية، رغم أن حديثه عن الأسرة ينتهي إلى تصور يمنح الرجل سلطة أوسع في تحديد اختيارات زوجته.
في الحالات الثلاث، لا يصف الشباب أنفسهم باعتبارهم أشخاصًا يمارسون العنف ضد النساء. أحدهم يرى نفسه مسؤولًا عن شقيقته، والثاني يعتبر منع الزوجة من العمل جزءًا من مسؤوليته، والثالث يرى أن للرجل الكلمة الأخيرة داخل المنزل.
لكن هذه التصورات تكشف مساحة تقع قبل العنف الجسدي: مساحة يصبح فيها للرجل حق في المنع والتحكم واتخاذ القرار، بينما يُنظر إلى اعتراض المرأة باعتباره خروجًا على دوره أو تقليلًا من مكانته.
يرى سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن هذا التناقض بين رفض ضرب المرأة وتقبل السيطرة عليها يرتبط بالثقافة التي يتربى عليها الرجل، والتي تضعه في موقع المسؤول وصاحب القرار الأول داخل الأسرة.
ويقول صادق في حديثه للقصة، إن “الأسرة أول مكان يتكون فيه تصور ذهني عن العنف”. فإذا شاهد الطفل والده يعنف والدته، أو رأى ضرب شقيقته ومنعها من الخروج بسبب علاقتها بشاب، يمكن أن تتكون لديه صورة عن استخدام العنف والسيطرة باعتبارهما وسيلة للتأديب.
ويضع صادق التعليم والإعلام بعد الأسرة في تكوين صورة العنف، موضحًا أن ما يراه الشاب في الأفلام والمسلسلات، إلى جانب ما يسمعه في محيطه، يؤثر في نظرته إلى العلاقة بين الرجل والمرأة.
ولا يرى صادق أن العنف يبدأ عند الضرب وحده، إذ يقول إن الثقافة التي تجعل الرجل صاحب الكلمة الأولى والأخيرة داخل الأسرة موجودة منذ فترة طويلة، وتبدأ أحيانًا من التحكم والمنع قبل أن تصل إلى العنف الجسدي.
ويشير إلى أن بعض الخطابات تضع المرأة في مقدمة أسباب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، مستشهدًا بعبارة “لن ينتهي الغلاء حتى تتحجب النساء” التي ظهرت لسنوات على جدران المساجد ووسائل المواصلات العامة، ويتابع: “الستات اتحجبت حصل إيه؟ ازددتم فقرًا على فقركم”.
ويرى صادق أن تغيير الخطاب الديني جزء من التعامل مع هذه الأفكار، ويشير إلى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال السنوات الماضية عن تجديد الخطاب الديني، لكنه يقول إن ذلك لم يغير الأفكار الموجودة على أرض الواقع.
كما يرى أن تغير شكل الدولة والمجتمع يستدعي مراجعة بعض الأفكار المرتبطة بظروف تاريخية، ويرفض استمرار التعامل معها بالطريقة نفسها، معتبرًا أنها تساهم في دعم تصورات معينة عن العلاقة بين الرجل والمرأة.
ويقول إن “الهوية الذكورية مشكلة كبيرة في مصر”، معتبرًا أن بعض الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتم تفريغها في المرأة.
عندما تجد الأفكار لغة جديدة على الإنترنت
لا تظهر هذه التصورات فقط داخل الأسرة أو في العلاقات اليومية. على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت مجموعات وصفحات تحمل اسم “الريد بيل” (Red Pill)، وتتحدث عن العلاقة بين الرجل والمرأة والزواج وعمل المرأة ودور الرجل داخل الأسرة.
لكن الشباب الذين تحدثت إليهم “القصة” لا يربطون بداية أفكارهم بشأن المرأة بمتابعة محتوى “الريد بيل”. يقولون إن تصوراتهم عن عمل المرأة ومشاركتها في الحياة العامة ومسؤولية الرجل عنها ارتبطت بما عرفوه داخل أسرهم ومحيطهم الاجتماعي ومرجعياتهم الدينية.
تظهر هذه الأفكار، إذن، قبل الوصول إلى عالم “الريد بيل”، بينما تعيد بعض هذه المجموعات تقديمها داخل خطاب موجه عن الرجولة والعلاقة بين الرجل والمرأة، وتمنحها لغة ومصطلحات مختلفة.
ويقول ياسر سعد، المحامي بالنقض والمهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، إن أشكال العنف التي تواجهها النساء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع لا تبدأ من السوشيال ميديا، وإنما ترتبط بواقع اجتماعي أوسع.
ويضيف سعد في حديثه مع القصة: “السوشيال ميديا مش بتأثر على الشارع الشارع هو اللي بيأثر عليها”.
ويرى سعد أن الاعتداءات التي تستهدف النساء على الإنترنت لم تستبدل العنف الموجود في الواقع، وإنما أضافت إليه مساحة أخرى، معتبرًا أن معالجة الظاهرة لا تتوقف عند الشخص الذي يمارس العنف، وإنما ترتبط أيضًا بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي تسمح باستمرار بعض هذه التصورات.
حين تصبح السيطرة شيئًا عاديًا
وأظهرت نتائج مسح صحة الأسرة المصرية 2021 أن 31% من النساء المتزوجات حاليًا أو السابق لهن الزواج، في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عامًا، تعرضن لأحد أشكال العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي على يد الزوج خلال عام 2021. وبلغت نسبة من تعرضن للعنف الجسدي 25.5%، بينما تعرضت 22.3% للعنف النفسي، بحسب جهاز التعبئة والإحصاء.
وتشير هذه الأرقام إلى حجم الظاهرة، لكنها لا تشرح وحدها كيف يصل الرجل إلى ممارسة العنف. الشهادات التي رصدتها “القصة” تشير إلى مرحلة تسبق الاعتداء: أفكار عن المسؤولية والحماية والرجولة، يمكن أن تمنح الرجل سلطة على اختيارات المرأة قبل أن يتحول الخلاف إلى اعتداء.