كتب- إسلام مهدي:
في كرة القدم، هناك أندية تشتري اللاعبين، وأندية تفاوض على اللاعبين، وأندية تنتظر حتى تصل الأمور إلى طريق مسدود ثم تبدأ في البحث عن حلول، لكن الأهلي حاول أن يذهب إلى منطقة مختلفة تمامًا. حيث بات التعاقد مع اللاعب جزءًا من منظومة، وليس مجرد صفقة، وأصبح تعديل عقد اللاعب في توقيته الصحيح قبل أن يتحول إلى أزمة قرارا إداريا، كذلك يكون التجديد استثمارًا في قيمة اللاعب، وليس مجرد استجابة لضغوط الجماهير. هذه هي المدرسة التي يحاول الأهلي ترسيخها داخل منظومته الجديدة. والأهم أنها لم تبدأ من الصفقات الكبيرة فقط، وإنما من الأشخاص الذين يديرون الملف.
سيد عبد الحفيظ.. خبرة غرفة الملابس
وجود سيد عبد الحفيظ، عضو مجلس الإدارة، القائم بأعمال المشرف العام على كرة القدم، في أي منظومة كروية يحمل قيمة تتجاوز الاسم. فهو يعرف الأهلي لاعبًا وإداريًا ومديرًا للكرة. يعرف ماذا يعني أن يشعر اللاعب بأنه مهم، ومتى يحتاج إلى تدخل إداري، ومتى يكون من الأفضل ترك الأمور تسير بهدوء. وهذه الخبرة تحديدًا مهمة جدًا في ملف العقود.
عبدالحفيظ يعي جيدا أن اللاعب الذي يقدم موسمًا استثنائيًا لا يمكن أن يستمر بعقد أصبح لا يتناسب مع قيمته، لأن ترك الفجوة تتسع قد يؤدي في النهاية إلى مشكلة. واللاعب الذي اقترب عقده من النهاية لا يصح أن تبدأ مفاوضاته عندما يصبح الوقت ضيقًا. هنا يأتي دور الإدارة التي تراقب المشهد مبكرًا، وتتحرك قبل أن يصبح اللاعب في موقف أقوى من النادي. وهذه واحدة من أهم الأفكار التي تحاول منظومة الأهلي الجديدة تثبيتها.
ياسين منصور.. الصفقة ليست مجرد اسم
أما ياسين منصور، فيمثل جانبًا آخر من المعادلة. لأنه يعلم جيدا أن كرة القدم الحديثة لم تعد تدار بمنطق «اللاعب كويس يبقى نجيبه». فهناك قيمة مالية، وعمر، ومدة عقد، وراتب، ومكافآت، وقابلية للتطور، وقيمة سوقية، ومخاطر مرتبطة بالصفقة. وكل هذه التفاصيل أصبحت جزءًا من القرار. منصور يرى أن إدارة كرة القدم لابد أن تتحول من مجرد البحث عن أسماء إلى إدارة استثمار رياضي. فاللاعب الذي يتعاقد معه الأهلي اليوم يجب أن يكون هناك تصور لما يمكن أن يقدمه غدًا. واللاعب الموجود بالفعل داخل الفريق يجب أن تتم دراسة عقده بصورة مستمرة وفقًا لدوره وقيمته. وحتى عملية الاستكشاف نفسها بدأت بفضله تأخذ شكلًا أكثر احترافية، خصوصا مع اتجاه الأهلي لتطوير آليات الـScouting والاستعانة بخبرات متخصصة في هذا المجال.
وائل جمعة.. الرجل الموجود في قلب الفريق
ثم يأتي وائل جمعة في موقع شديد الحساسية. مدير الكرة ليس مجرد شخص يجلس بجوار الجهاز الفني في المباريات، لكنه حلقة الوصل بين الإدارة واللاعبين والجهاز الفني. وهو الشخص الذي يتعامل مع التفاصيل اليومية التي لا يراها الجمهور. مثل مشكلة لاعب أو اعتراض آخر، أو تأخر في التجديد، أو طلب تعديل عقد، أو موقف انضباطي، أو أزمة داخل غرفة الملابس، أو قرار إداري يحتاج إلى أن يصل للاعبين بالطريقة الصحيحة. فكل هذه الملفات تحتاج إلى شخص يعرف كيف يتعامل معها.
وربما ما يميز وائل جمعة في هذه النقطة معرفته لهذه الغرفة من الداخل. فهو يعرف طبيعة الأهلي وضغط الجماهير وقيمة القميص. ويعرف أيضًا عقلية اللاعب المحترف عندما يكون في أفضل حالاته، أو عندما يشعر بأن هناك شيئًا غير عادل في حقه. وهنا تظهر قيمة مدير الكرة الحقيقي.
تعديل العقود.. الفكرة التي غيرت قواعد اللعبة
واحدة من أهم النقاط التي فرضت نفسها على الأندية المصرية هي فكرة تعديل العقود قبل أن تتحول إلى أزمة. ففي السابق، كان اللاعب يقدم موسمًا كبيرًا، ثم ينتظر حتى نهاية الموسم ليدخل في مفاوضات جديدة. أما المنظومة الأكثر احترافية فتتعامل مع الأمر بشكل مختلف. فاللاعب الذي تتغير قيمته تتغير طريقة التعامل معه. فلا بد من تأمينه إذا أصبح عنصرًا أساسيًا، ولابد أن يكون عقده متناسبا مع مكانته حال ارتفاع قيمته السوقية. وإذا اقترب من نهاية عقده، يجب ألا تنتظر الإدارة حتى يدخل في الأشهر الأخيرة.
ثقافة الأهلي في إدارة العقود بهذه الطريقة تجعله يدير العلاقة التعاقدية مع اللاعب طوال فترة وجوده داخل النادي، وليس فقط وقت توقيع الصفقة. فالنادي يعلم أن الصفقة لا تنتهي عند التوقيع، وأن هذا الأمر يُعتبر خطأ شائع في التعامل مع الصفقات. حيث يتابع النادي مدى مناسبة اللاعب لطريقة اللعب، وراتبه مقارنة بهيكل الفريق، والبنود التي تحمي النادي، وإمكانية تطوير عقده مستقبلًا، وقيمته الاستثمارية، وخطة التعامل معه إذا لم ينجح. وكل هذه التفاصيل تدخل في صميم القرار حال التعامل مع اللاعب.
الأمر لا يتوقف عند التعاقد والتجديد، فالأهلي وضع قواعد جديدة للانفصال أيضا. حتى عندما يصبح استمرار لاعب أو مدرب غير ممكن، فإن طريقة الخروج أصبحت جزءًا من الإدارة. حيث تنظيم جلسات تفاوض، ومراجعة قانونية، وحساب الالتزامات المالية، والاتفاق على طريقة إنهاء العلاقة، ثم يأتي الإعلان كخطوة أخيرة. ويضع النادي هدفا هاما أمامه مع كل إضافة أو انفصال، فالهدف ليس ظهور النادي منتصرًا في كل أزمة، بل الخروج منها بأقل خسائر ممكنة.
لماذا أصبحت منظومة الأهلي مدرسة؟
لأن المنافسة لم تعد فقط داخل الملعب. الأهلي بدأ يرفع سقف المنافسة خارج الملعب أيضًا. عندما يعيد النادي ترتيب عقود لاعبيه، تضطر الأندية الأخرى إلى التفكير في لاعبيها. وعندما يتحرك مبكرًا لتأمين لاعب، يصبح النادي المنافس مطالبًا بأن يفعل الشيء نفسه. وعندما يضع نظامًا للتعاقد والاستكشاف والتفاوض، تصبح الطرق القديمة في إدارة الكرة أكثر صعوبة في الاستمرار. وهنا تظهر فكرة «المدرسة»، ليس لأن الأهلي هو النادي الوحيد الذي يعرف كيف يتفاوض، ولكن لأنه يحاول تحويل الخبرة المتراكمة إلى نظام عمل.