تشهد منطقة الشرق الأوسط صراعاً خفياً بأبعاد إستراتيجية حول هوية القوة الجيوسياسية التي تقود المنطقة حيث لا تحتمل الجغرافيا وجود “رأسين نوويين” في آن واحد، إما الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل.
وفيما يحجب التصعيد المتمادي مشاريع اقتصادية وأمنية تديرها تكتلات سياسية كبرى برعاية أمريكية، تبرز أزمة عميقة الجذور بين واشنطن وتل أبيب بسبب إصرار بنيامين نتنياهو على “استقلالية القرار” والحد من الاعتماد على الدعم الأمريكي، وهو ما يصطدم مباشرة برؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب.
الصراع الجوهري هو من يكون “أولاً” في المنطقة
قال جورج علم، المحلل السياسي اللبناني، في حديثه لـ”القصة”، إن الصراع الجوهري في المنطقة بأبعاده الإستراتيجية يكمن في سؤال محوري حول من يكون أولاً في الشرق الأوسط، الولايات المتحدة أم إسرائيل، مؤكداً أن المواجهة المدمرة مع إيران هي جزء من مخطط أوسع وأشمل تسعى من خلاله إدارة الرئيس دونالد ترامب وفقاً لمراكز الأبحاث ولجان العمل بالكونجرس إلى تأسيس “تحالف أمني” يشكل الركيزة الضامنة للمشاريع الاقتصادية النفطية.
وأكد علم، أن الإدارة الأمريكية تملك “مدونة سلوك” تسجل مآخذ جدية على سلطة نتنياهو خلال ولاياته المتعاقبة، موضحاً أن تل أبيب لم تعر اتفاقيات السلام مع مصر والأردن الاهتمام الجدي لتغيير ثقافة العداوة، وأضاف أنها لم تستفد كذلك من “الاتفاقيات الإبراهيمية” بل تصرفت بعنجهية لفرض أمر واقع وكأنها القائد وصاحبة الحق المطلق في إملاء القرارات والتوجهات.
وأضاف المحلل السياسي اللبناني أن إسرائيل رفضت الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم سواء ضمن مشروع حل الدولتين أو المبادرات الأممية والأوروبية، وأصرت على سياسة الاقتلاع والتشريد، مؤكداً أنها لم تحترم مبادرة ترامب حول قطاع غزة بل باشرت بالتنصل منها والالتفاف عليها لفرض هيمنتها أمنياً وسياسياً واقتصادياً.
وقال، إن هناك توافقاً بين واشنطن وتل أبيب على مواجهة إيران مع اختلاف واضح حول الأهداف؛ حيث يريد ترامب الاستفادة من المنجم النفطي والاقتصادي الإيراني، فيما يسعى نتنياهو لتغيير النظام ونشر الفوضى، مؤكداً أن اجتماع دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة برئاسة أردوغان ومشاركة ترامب زاد من عمق الهوة وأشعر نتنياهو بقوة الاستهداف والتهميش بعد إطلاق ترامب لمشروعي التحالف النفطي والتحالف الأمني عقب لقاءات مع قادة تركيا وسوريا والعراق ولبنان.
تحالف المشرق العربي الاقتصادي
وأضاف المحلل السياسي اللبناني، أن أولى خطوات هذا التحالف الاقتصادي الجديد في المشرق العربي تمثلت في توقيع اتفاقية لمد خط أنابيب نفطي جديد بين العراق وسوريا كبديل لخط “كركوك – بانياس” التاريخي وبطاقة استيعابية تصل لمليون برميل يومياً، مؤكداً ما نقله وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بأن إدارة ترامب تتبنى رؤية تهدف لتحويل الشرق الأوسط من منطقة صراعات إلى مركز للتجارة والاستثمار كطريق أفضل لتحقيق الاستقرار.
وقال علم إن الرئيس ترامب حدد الموقف بوضوح تجاه تل أبيب حين قال إنه يجب على إسرائيل أن تهدأ وتنسحب من سوريا ولبنان وأن أمنها لا يمكن أن يكون على حساب أمن الآخرين، مؤكداً أنه لا مكان لإسرائيل في أي تحالف إقليمي ما لم تغير سلوكها وتنتهج سياسة مغايرة وفقاً للمواقف التركية والعربية والخليجية.
واختتم جورج علم حديثه لـ”القصة”، مؤكداً أن البحث جارٍ حالياً حول آليات العمل للوصول إلى “حلف أمني مشرقي” على غرار الناتو ليكون مؤتمناً على تطبيق هذه الإستراتيجية، وأضاف أن ترامب رسم لنتنياهو خطوطاً حمراء حاسمة مفادها أن أمن إسرائيل يظل ضمانة أميركية، لكن استراتيجية “أمريكا أولاً” لا تقبل إطلاقاً بأن تكون “إسرائيل أولاً” في الشرق الأوسط لأن المصالح الأمريكية فوق أي اعتبار.