يمر النظام العالمي المعاصر بـ”مخاض” إعادة تشكيل بنيوي شامل، تنكفئ فيه الأحادية القطبية وتتقدم تعددية ناشئة قائمة على فرض الأمر الواقع و”صراع الإرادات”.
هذا الاختلال الهيكلي، الذي تلا غياب الاتحاد السوفيتي وانفراد واشنطن بالقرار الدولي، بدأ مسار تراجعه التدريجي عبر “أزمات حرجة” انطلقت مع أحداث التحول العاصف في المنطقة العربية بنهاية عام 2010، والتي استهدفت إعادة هندسة الجمهوريات العربية وتفكيك جغرافيتها لصالح “توازنات استعمارية” جديدة.
قضم الجغرافيا والإرث العثماني
وفي هذا المشهد المفصلي، شكّلت الدولة الوطنية السورية جبهة الاستهداف الأشرس والمحك الدولي الأبرز، حيث تقاطعت فوقها “أطماع استراتيجية مركبة”. فقد تكالبت القوى الغربية بقيادة واشنطن للسيطرة الميدانية على ثروات ونفط شرق الفرات، لتوظيفها كأداة حصار واحتواء اقتصادي، بموازاة اندفاع الكيان الإسرائيلي لـ”قضم الجغرافيا” السورية امتدادًا لأدبياته التوسعية التاريخية (من النيل إلى الفرات)، وتكامل ذلك مع التوغل العسكري التركي في الشمال لإحياء “الإرث العثماني”.
وكونيًا، استهدف المحور الغربي كسر سوريا لقطع “الشريان” البري والبحري لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية (طريق الحرير الجديد)، وإبقاء سلاسل التوريد تحت الهيمنة البحرية الأمريكية.
إلا أن صمود الدولة السورية شكّل “حائط الصد الأول” الذي حطم هذه المشاريع، ومهّد الأرضية، أواخر عام 2015، للتدخل العسكري الروسي المباشر لحماية مصالحه في المياه الدافئة، كأول إعلان فعلي لتقويض “التفرد الأمريكي” وكسر طوق الأحادية.
وامتدادًا لهذا المخاض، انتقل الصراع الدولي نحو “حافة الهاوية النووية” بوصفها المحرك الخفي للمواجهات في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، وتتبدى الخطورة في السعي الأمريكي المحموم للاستحواذ على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب (بنسبة 60%)، وهو العتبة قبل الأخيرة للوصول إلى مستوى 90% العسكري الحرج لإنتاج السلاح.
اشتباك صفري
الرفض الإيراني الصارم والتلويح بالوصول إلى العتبة العسكرية ردًا على الاستهدافات، يضعان المنطقة أمام “اشتباك صفري”. وعلى نحو موازٍ، يشهد “المسرح الأوروبي” تصعيدًا نوويًا هو الأخطر منذ الحرب الباردة، مدفوعًا بتوسيع رقعة التمركز الأمريكي في الجناح الشرقي للناتو، عبر نشر طائرات ثنائية القدرة مؤهلة للضربات التقليدية والنووية في دول الطوق المتاخمة لروسيا، كبولندا ودول البلطيق.
وهو ما واجهته موسكو بتحذيرات صارمة لنسف الأمن الجماعي، مانحًا تصريحات دونالد ترامب المتكررة بشأن “تدمير حضارات بأكملها” (قاصدًا إيران) أبعادًا تطبيقية صلبة في العقيدة العملياتية الراهنة.
وتتبدى ديناميكية الصراع المعاصر في تفعيل واشنطن “دبلوماسية الصفقات الصفرية”، والتي اختبر الإقليم تداعياتها نهاية عام 2024، بمقايضة روسيا: إيقاف دعم أوكرانيا عسكريًا مقابل سحب مظلتها عن دمشق، وهي الثغرة التي عجّلت بسقوط الجمهورية العربية السورية وصعود مجموعات مسلحة فرضت نفسها كأمر واقع، حظي بمقاربة دولية سريعة قبل أن تنكث واشنطن بوعودها لموسكو.
واليوم، يعيد ترامب “إنتاج المقاربة” ذاتها في الشرق الأقصى، حيث عمدت واشنطن إلى تجميد صفقة تسليح تاريخية لتايوان بقيمة 14 مليار دولار (منظومات دفاع جوي وصاروخي حاسمة)، كورقة “مساومة علنية” لتتخلى الصين عن دعمها الاستراتيجي والاقتصادي لطهران.
بيد أن المناورة لم تنطلِ على بكين، استرشادًا بالدرس السوري، وإدراكًا بأن سقوط طهران يعني إحكام واشنطن حصارها البري والبحري الكامل على آسيا ونسف مبادرة “الحزام والطريق”.
الأمركة والبيت العربي
إن هذا التداخل الجيوسياسي يفرض حالة “الاشتعال المبكر المحذور”، تجنبًا للانزلاق إلى حرب عالمية، ليتحول التفاوض بين واشنطن وطهران إلى مسار معقد يُدار تحت النار، شاملًا الطاقة والممرات البحرية.
وتكتمل اللوحة بالتصدع البنيوي داخل الاتحاد الأوروبي، حيث انقسم الموقف إلى تيار “الرفض المبدئي” بقيادة إسبانيا لمنع استخدام أراضيها في ضربات هجومية، وتيار يفتح حدوده بلا كوابح، وحراك “قوى الاستعمار القديم” (بريطانيا وفرنسا)، اللتين تدفعان بترسانتيهما البحريتين بحجة حماية الملاحة، بحذر ودون خوض مواجهة مباشرة نيابة عن واشنطن.
وانعكس هذا المأزق على جبهة الخليج العربي، إذ استجلب استخدام القواعد الأمريكية لضرب طهران ردودًا عسكرية إيرانية مباشرة وقاسية طالت عمق تلك الجغرافيا، وعجزت واشنطن عن حمايتها، مما أسقط فرضية “الحماية المطلقة”، ويفرض ضرورة حتمية لإعادة ترتيب البيت الخليجي الداخلي، وفك الارتباط بـ”الأمركة” الأمنية باهظة الكلفة، والانتقال نحو حاضنة “البيت العربي” المشترك.
وتتجلى ذروة التحول في امتلاك طهران لـ”عنق العالم” بسيطرتها العملياتية على مضيق هرمز، وعجز واشنطن لوجستيًا عن فتحه عنوة. وفي تطور غير مسبوق يعيد صياغة المواثيق، انتقلت طهران من التهديد بالإغلاق إلى فرض نظام سيادي يستوفي رسومًا مالية مقابل الملاحة، بآليات دفع مستحدثة تتجاوز النظام المالي الغربي، معلنة سقوط الاتفاقيات القديمة لصالح قوانين يفرضها المنتصر.
وأصبحت “ورقة المضيق” أداة ضغط كونية تضع العالم أمام مسارين: التسليم برغبات طهران والإقرار بالارتكاز الصيني الروسي، أو ضربة عسكرية غربية تفجر فورًا حربًا عالمية ثالثة فوق مياه الخليج.
في المحصلة، فإن صمود ركائز الدول الوطنية “كسر الأحادية” الأمريكية وعجز مظلتها الأمنية، وأثبت “عقم الصفقات الغربية” الغائبة عنها الضمانات، ليظل التوازن التنموي والاعتراف بالتعددية القطبية الناشئة المخرج الوحيد لصون السلم والأمن الدوليين، حيث تصبح خطوط السيادة والتحالفات الإقليمية المستقلة هي القوانين الحقيقية التي تصوغ معالم العالم الجديد.