لم يعد حلم الالتحاق بكليات الطب والهندسة الخيار الوحيد أمام جميع طلاب الثانوية العامة كما كان في السابق، فمع التغيرات الاقتصادية، وتبدل احتياجات سوق العمل، وظهور تخصصات جديدة، بدأت خريطة الأحلام الجامعية تتغير تدريجيًا. وبينما لا تزال “كليات القمة” تحتفظ بمكانتها لدى كثير من الأسر، يرى آخرون أن النجاح لم يعد مرتبطًا باسم الكلية فقط، وإنما بقدرتها على توفير فرصة عمل ومستقبل مهني.
بين حلم الأسرة وطموح الطالب.. من يختار الكلية؟
يرى محمد كفينه، مدرس بالمرحلة الثانوية وولي أمر، أن اختيار الكلية لا يرتبط دائمًا برغبة الطالب، موضحًا أن بعض الأسر تنظر إلى بعض الكليات باعتبارها امتدادًا لأحلامها أو وسيلة للحفاظ على مكانتها الاجتماعية.
ويشير إلى أن بعض أولياء الأمور يحاولون تحقيق أحلام لم يتمكنوا من الوصول إليها من خلال أبنائهم، بينما تحافظ أسر أخرى على استمرار المهن داخل العائلة، فيصبح حلم دراسة الطب أو الهندسة جزءًا من تقاليد الأسرة.
وأضاف كفينه أن قدرة الطالب على التعبير عن اختياره تختلف حسب البيئة التي نشأ فيها، فبينما يستطيع بعض الطلاب اختيار تخصص يتوافق مع ميولهم، يواجه آخرون ضغوطًا للالتحاق بالكليات التي يراها المجتمع أكثر مكانة.
وأوضح كفينه أن السنوات الأخيرة شهدت إقبالًا على تخصصات مثل الذكاء الاصطناعي والحاسبات والمعلومات وعلوم الإعاقة والتمريض، نتيجة ارتباطها باحتياجات سوق العمل، مؤكدًا أن بعض الأسر أصبحت تضع فرص التوظيف في مقدمة معايير اختيار الكلية، مع استمرار احتفاظ الطب بمكانته الاجتماعية.
بين الشغف والمكانة.. اختيارات الطلاب
تكشف تجارب طلاب الثانوية العامة أن الاختيارات الجامعية لم تعد تسير في اتجاه واحد؛ فبينما لا يزال حلم كليات القمة حاضرًا لدى البعض، يبحث آخرون عن تخصصات يرون أنها تناسب المستقبل.
تقول نور حسام الدين، طالبة علمي رياضة، إنها اختارت دراسة الذكاء الاصطناعي رغم تفضيل أسرتها للمجال الطبي، مؤكدة أن التخصصات التكنولوجية بدأت تنافس كليات القمة التقليدية بسبب ارتباطها بالتطور العالمي.
ويمثل يوسف وليد نموذجًا مختلفًا، إذ اختار إدارة الأعمال رغم أن أسرته تنتمي إلى مجالي الطب والهندسة، موضحًا أن تجربته العملية ساعدته على اكتشاف ميوله للتجارة ورغبته في إنشاء مشروع خاص، مؤكدًا أن النجاح يعتمد على المهارات والتدريب وليس اسم الكلية فقط.
في المقابل، يعكس محمود سعيد استمرار حضور النموذج التقليدي، إذ يضع الكلية الحربية خيارًا أول، وفي حال عدم الالتحاق بها يتجه إلى طب الأسنان بسبب ارتباطه بمهنة والده، ويرى أن الطب والهندسة ما زالا يحتفظان بمكانتهما.
أما دارين إبراهيم، فترغب في دراسة الطب البيطري بسبب حبها للحيوانات، لكنها تواجه تفضيل أسرتها للطب البشري، ما يعكس استمرار تأثير المكانة الاجتماعية للكليات.
بينما تختار رويدا ممدوح دراسة العلوم أو الزراعة للتخصص في مجالات الوراثة والبيولوجيا، مؤكدة أن حب المجال هو الطريق لتحقيق النجاح.
الأسر بين المكانة ومستقبل الأبناء
تكشف شهادات أولياء الأمور أن مفهوم “كليات القمة” لا يزال حاضرًا لدى كثير من الأسر.
ترى هيام أسامة، طبيبة وولية أمر، أن الطب البشري يجمع بين المكانة الاجتماعية وفرص العمل، مؤكدة أن نظرتها لمستقبل بناتها لم تتأثر بظهور تخصصات جديدة.
ويتفق معها علي مدكور، مدير مدرسة وولي أمر، الذي يرى أن الطبيب ما زال يحظى بالمكانة الأعلى داخل المجتمع، رغم وجود تخصصات حديثة مثل هندسة البرمجيات.
في المقابل، يرى محمد عبد المعطي أن حب الطالب للتخصص يجب أن يكون العامل الأساسي في الاختيار، بينما تؤكد نيرمين عثمان أن المستقبل لم يعد مرتبطًا بالطب والهندسة فقط، وأن النجاح يتحقق من خلال الاجتهاد في المجال الذي يختاره الإنسان.
هل تغير مفهوم كليات القمة؟
وترى الدكتورة علا محسن، أستاذ علم الاجتماع، أن مفهوم “كليات القمة” لم يعد ثابتًا كما كان في العقود الماضية، موضحة أن المكانة الاجتماعية أصبحت ترتبط بقدرة التخصص على توفير فرص عمل ودخل مناسب، وليس باسم الكلية فقط.
وأضافت أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية دفعت جزءًا من الأسر إلى إعادة تقييم مفهوم النجاح الجامعي، رغم استمرار ارتباط الطب والهندسة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي نتيجة تراكم صورة اجتماعية امتدت عبر أجيال.
وأكدت أن المجتمع المصري يعيش مرحلة انتقالية تتعايش فيها النظرة التقليدية للكليات مع مفاهيم جديدة للنجاح المهني، مشيرة إلى أن التخصصات الحديثة قد تكتسب مكانة أكبر إذا استمرت في تحقيق فرص اقتصادية واجتماعية لخريجيها.
في النهاية، لا يبدو أن الطب والهندسة فقدا مكانتهما داخل المجتمع المصري، لكنهما لم يعودا يحتكران أحلام جميع الطلاب كما كان في السابق. فبين طالب يسعى لتحقيق حلم أسرته، وآخر يختار شغفه، وثالث يبحث عن فرصة عمل تناسب متطلبات العصر، أصبحت خريطة الاختيارات الجامعية أكثر تنوعًا.
وربما لم يعد السؤال الحقيقي: “ما هي كليات القمة؟”، بل: “ما الطريق الذي يمنح كل طالب فرصة حقيقية لتحقيق طموحه؟”