بثورة الاتصالات المتسارعة والمتلاحقة، حتى وصولها إلى أقصى نسخ هذه الثورة، متمثلةً في الذكاء الاصطناعي، تكون هذه الثورة قد وضعت حدًا فاصلًا بين مرحلتين مميزتين في الوعي والعلاقات بين الأفراد والأمم والقارات، هما: مرحلة الوعي الإنساني المقصور على بيئته المحدودة، لا يكاد يتجاوزها إلا في فترات استثنائية كالحروب والتجارة والرحلات، ثم مرحلة الوعي الإنساني الكوني، أو العولمة العابرة لكل الحدود والعوائق، وهي تلك التي نعيشها في عصرنا الحاضر.
إن ثورة الرقمنة تتسم بالامتداد والشمول والهيمنة، ولذا فهي باتت مطلبًا ضروريًا لكل الشعوب التي تبتغي الانفلات من مضايق التخلف ومخاطره وآثاره القاسية والمردية، التي قد ترتد بأمة ما إلى العصور البدائية الأولى، إذا قورنت هذه الأمة المتخلفة بغيرها، ممن أخذت بالثورة الرقمية مأخذ الجد لا الهزل، واقتحمت هذا المجال بقوة، تقطع فيه الخطوة تلو الخطوة دون توقف لحظة واحدة من عمر الزمن.
فالتوقف أو التلكؤ جدير بإحداث فجوات عميقة، وقفزات واسعة، ومسافات شاسعة بينها وبين غيرها، يصعب اللحاق بها، بل يستحيل ذلك عليها. ومن ثم، يتوجب على الدولة المصرية (لتحافظ على ريادتها) أن تنطلق في هذا السباق الرقمي من (الآن) لا (الغد)، فكل تأجيل أو تسويف، من المؤكد، سندفع ثمنه باهظًا من الندم والحسرة.
وهي إذ تعدو نحو هذا الاتجاه، يجب أن تكون خطواتها محسوبة بدقة، تنهض على استراتيجية واضحة، قادرة على تحقيق التفوق والتقدم، وتضمن مستقبلًا مرموقًا للأجيال اللاحقة.
فنحن في حاجة إلى الرقمنة ليتواصل علماؤنا وباحثونا في شتى مجالات العلم والمعرفة الإنسانية مع غيرهم على أطراف الكرة الأرضية؛ ذلك لأن الرقمنة تفرض وعيًا كونيًا جديدًا. فهذا التلاقي والتعاون البحثي والمعلوماتي، بوصفه تجليًا للرقمنة الكونية، هو الضمان الأساسي للتقدم النوعي.
وبالطبع، لا يقتصر هذا التلاقي الكوني على البحث في العلوم الطبيعية، بل يتعداه إلى العلوم الإنسانية والإبداع الأدبي والفنون. ولعل المجال التربوي والتعليمي هو أهم الميادين التي تستفيد من الرقمنة في تطوير المناهج الدراسية وطرق التدريس ومحتوى المقررات التعليمية، والارتقاء بالمعلم ارتقاءً فنيًا يمكنه من التفاعل الحقيقي مع طلابه؛ لتحقيق منتج تعليمي بالغ الجودة والإتقان، يتناسب مع إيقاع الرقمنة.
وكذلك تحويل الطالب من نمط الحفظ والاستظهار إلى نمط الفهم والتحليل وإعمال العقل النقدي. أضف إلى ذلك ما للرقمنة من سطوة على تحقيق التواصل الاجتماعي والكوني على نحو أسرع إيقاعًا وأشد تأثيرًا، بما تتيحه الرقمنة من أفق واسع للحوار بين الجماعات والأفراد؛ فهو يعمل على تقريب البعداء، وتجميع الأشتات، وتصويب المغالطات، وتصحيح المفاهيم، وتفنيد الإشاعات التي تقف حجر عثرة أمام التواصل الإنساني والوجدان الكوني.
وعلينا أن ندرك أن للرقمنة مخاطرها التي لا ينبغي تجاهلها، تلك التي تؤثر بقوة على شعوب الحضارات الإنسانية القديمة ذات الأصول التاريخية والقيمية والأخلاقية الراسخة. فإن لم تتدارك هذه المجتمعات تلك المخاطر، وتعد لها العدة، فإن طوفان الرقمنة لن يرحم تلك القيم الإنسانية والأخلاق والسجايا النبيلة، فهو قادر على أن يجرفها، ويقصي بها بعيدًا، ويهوي بها في أغوار سحيقة.
كما أن التعرض للرقمنة دون ضوابط حاكمة ووعي بطبيعتها، فإنه من المنتظر أن ينتج أجيالًا مصابة بالعفن الدماغي، الناتج من لهاث تلك الأجيال وراء كل ما هو سطحي ورديء وتافه. فنجد أنفسنا أمام أجيال فاقدة للتجاوب الوجداني مع غيرها، سواء أكان ذلك في المحيط الأسري أم المحيط المجتمعي العام.
إذ تتحول هذه الأجيال إلى (عَبَدَة للرقمنة)، تابعة لها وتدور في فلكها، مأمورة بأوامرها دون أي عصيان أو تمرد، فتتحول هذه الأجيال إلى دُمى متحركة في مسرح العرائس؛ فلا حس ولا شعور ولا عاطفة ولا ضمير.
وهذا الجانب يمثل تحديًا عظيمًا أمام المؤسسات التربوية والتعليمية، إذ يجب عليها أن تؤكد التوازن الدقيق بين جوهر الرقمنة الصلب والطبيعة الإنسانية المرنة.
فعالم بلا رقمنة هو عالم مهيأ للدخول في نفق الجهالة والتخلف، وعالم بلا قيم أخلاقية ضابطة هو عالم مهيأ ومرشح للدمار والفناء في لحظة كامنة في ثنايا الغيب.