في السياسة، لا تكشف القرارات وحدها شخصية صاحبها، وإنما تكشفها أيضًا الطريقة التي يتعامل بها مع السلطة، ومع من حوله، ومع النقد والاختلاف والمصلحة، فخلف كل قرار سياسي أو إداري قد تقف شخصية ترى النفوذ حقًا، أو المال العام فرصة، أو السلطة وسيلة لإخضاع الآخرين، أو المواقف مجرد أوراق قابلة للتغيير وفقًا لموازين القوة.
فكيف تتكون شخصية المستبد الذي لا يحتمل المعارضة، ويعتبر الاختلاف تهديدًا لسلطته؟ وهل يبحث عن السيطرة لأنه يخشى فقدانها؟ لماذا يحيط نفسه بمن يؤيدونه، ويبتعد عن الأصوات التي تنتقده؟ وكيف يتعامل مع من هم أدنى منه في سلم السلطة؟ وهل يولد الإنسان مستبدًا، أم أن امتلاك النفوذ وغياب الرقابة والمحاسبة يمكن أن يصنع منه شخصًا آخر؟
قالت مي محمد، دكتورة الصحة النفسية والإرشاد الأسري، في تصريحات خاصة، إن شخصية المستبد تطرح سؤالًا مهمًا، هل نحن أمام مرض أم اضطراب؟ موضحة أن المستبد في الأساس يمثل نمطًا سلوكيًا سلطويًا، يتكون من مجموعة من العوامل النفسية والتربوية والاجتماعية،لافتة إلى أن الشخص ليس بالضرورة أن يولد مستبدًا، فهذه الشخصية قد تتشكل تدريجيًا نتيجة للخوف والقلق والتربية والخبرات السابقة، إلى جانب الطريقة التي يفهم بها الشخص نفسه معنى القوة والسيطرة.
وأضافت محمد أن جزءًا كبيرًا من الأمر يرجع إلى الطفولة والبيئة التي نشأ فيها الشخص، فقد يكون الأب شديد أو الأم شديدة في التعامل، والاعتماد بشكل مستمر على التحكم والعقاب، كما قد يرتبط الحب في هذه الأسرة بالطاعة، بأن الطفل يتعلم أن تنفيذ الأوامر هو الطريق للحصول على ما يريد أو للحصول على القبول، مثل “لو سمعت الكلام أنا هنفذلك الحاجة دي” أو “لو عملت كذا هتبقى كويس”.
وفي المقابل، ينشأ الطفل وهو لا يعرف كيف يعبر عن رأيه أو يعترض، ولا يعرف حتى كيف يقول “آه” أو “لأ”، لأنه لم يحصل من الأساس على مساحة ليكون له رأي،إلى جانب تعرضه للإهانة أو التهميش، وكأنه غير موجود أو أن رأيه غير مهم، أو يعيش في بيئة تفتقد الإحساس بالأمان.
وتابعت أخصائية الصحة النفسية، أن الأمر قد يحدث بشكل عكسي، عندما يتربى الطفل على أنه الآمر الناهي في البيت، وأن كلامه هو الذي يجب أن يتحقق، ومع الوقت تتشكل لديه شخصية مستبدة.
وأشارت إلى أن الشخص قد يتعلم تدريجيًا أن السيطرة هي الوسيلة الوحيدة التي تمنحه الأمان، معتقدًا “انه طالما مسيطر فإن كل شئ على مايرام والجميع تحت أمره”، ومن هنا قد يبدأ في اعتبار التنازل أو التسامح ضعفًا، كما يرى أن الاعتراف بالخطأ يقلل من قيمته.
وتساءلت عن لماذا يتحول الشخص إلى هذه الصورة؟ ولماذا يصبح غير قادر على التنازل أو المرونة؟ قالت: إن المستبد غالبًا يكون لديه احتياج شديد للتحكم وتقليل عدم اليقين، وأن أي اختلاف في الرأي قد يراه أمرا سيئًا أو تهديدًا لحياته كلها، لذلك يصبح التعامل عنده قائمًا على فكرة، “يا تعمل اللي أنا عايزه، يا أنت كده ضدي”،إلى جانب عدم احترامه للرأي الآخر، حتى لو كان هذا الرأي صحيح، فهو لا يعطي مساحة للاختلاف من الأساس، ويرى أن رأيه صحيح، وأن أي رأي مختلف يعتبر مشكلة.
ولفتت أخصائية الصحة النفسية إلى أنها تحدثت عن هذه النقطة في إحدى حلقات برنامج “الستات عايزة إيه؟”، متسائلة،لماذا لا نحترم الآخر؟ فالشخص المستبد يكون مقتنعًا بأن أفكاره صحيحة، وقد يتعامل مع من يقول شيئًا مختلفًا بالتمرد أو الإهانة أو التحقير، خصوصًا إذا كان كلامه لا يتفق مع ما يريده، ومع تكرار هذا السلوك، يصبح الشخص أكثر استبدادًا، فتبدأ الناس في تجنبه والخوف منه، ويشعرون معه بعدم الأمان، لأنهم يعرفون أن كلامه هو الذي يجب أن ينفذ.
وأضافت أن هناك بعض الصفات المشتركة بين الشخصية المستبدة والشخصية النرجسية، مؤكدة علي أنها لا تتحدد نوع اضطراب معين، لأن الشخص المستبد قد لاتكون لديه باقي صفات الشخصية النرجسية، لكنه في النهاية يريد أن يكون هو قائد كل شيء، وهو الشخص الذي يتحكم في كل شيء.
وأشارت إلى أن السيطرة تتحول مع الوقت من مجرد وسيلة بالنسبة له إلى أسلوب حياة، موضحة أن الشخص المستبد يريد أن يشعر بأنه مسيطر حتى لا يشعر بأن أحدًا يستطيع السيطرة عليه.
وتابعت أن الغضب قد يتراكم لدى الشخص المستبد، لكنه لا يعرف كيف يعبر عنه،مشيرة إلى أن تأثير هذه الشخصية قد تظهر في العمل بشكل واضح، من خلال قتل المبادرة والإبداع، رفض النقد، وقرارات أحادية لا يوجد لها بديل “يا ده يا بلاش”.
وأوضحت ان هذا السلوك يخلق في النهاية بيئة من النفاق واللف والدوران، لأن الناس تبدأ في قول ما يريد المستبد سماعه، وتحاول إرضاءه حتى لا يعترض، حتى لو كان ما يقال له غير حقيقي من الأساس، لافتة إلى أن الأخطر أن المستبد نفسه قد يقتنع بأنه ليس مستبدًا من الأساس ، بل يرى أنه يحمي الآخرين، بينما المحيطون به يقولون له، “آه ده إحنا عارفين، ده أنت جميل، ده إحنا رأيك صح، وأنت عارف مصلحتنا”.
هل المستبد شرير؟
أكدت الخبيرة النفسية أن شخص المستبد ليس دائمًا شخصًا شريرًا، وإنما قد يشعر أن السيطرة هي التي ستجعله في أمان، وأن طاعة الآخرين له وتنفيذ ما يريده تمنحه هذا الشعور.
وأكدت أن السلوك المستبد ليس له سبب واحد، فقد يكون وراءه الخوف، أو عدم الأمان، أو خبرات قديمة لم تكن جيدة، لكن فهم الأسباب لا يلغي مسؤولية الشخص عن الأذى الذي قد يسببه للآخرين.
وعن إمكانية تغيير هذه الشخصية أو أن تصبح أكثر مرونة،قالت مي محمد أن ذلك أمر وارد، وأن العلاج النفسي يمكن أن يساعد الشخص على تقليل السيطرة وفرض الرأي، وألا يخاف من كل شيء، لأن الشخص عندما يكون خائفًا طوال الوقت قد يصر على القيام بشيء معين حتى لو كان هذا الشيء خاطئًا، كما يحتاج إلى أن يتعلم التراجع والاعتذار، لأن الشخص المسيطر أو المستبد في أحيان كثيرة لا يريد الاعتذار، فهو يعتبر الاعتذار ضعفًا، ولا ينظر إليه باعتباره ثقافة محترمة، وأن معناه ببساطة أنه أخطأ.
واشارت مي محمد إلى أن المستبد يتعامل مع الناس كأنه في صراع مستمر، وفي النهاية يجد نفسه أمام نتيجة طبيعية لهذا الأسلوب، وهي ان تبدأ الناس تتجنبه، ولايستطيع تكوين علاقات جيدة تقوم على الاحترام.
وفيما يتعلق بالعلاج، ترى مي محمد، أن العمل على النفس من خلال العلاج النفسي قد يساعد في التعامل مع هذه الشخصية، مشيرة إلى أن العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والعلاج السلوكي الجدلي (DBT) من العلاجات الجيدة التي يمكن أن تساعده.
وفي نفس السياق، قال أحمد علام، استشاري العلاقات الأسرية والصحة النفسية، إن الشخصية المستبدة من الناحية النفسية قد تنشأ نتيجة التربية القاسية التي يتعرض لها الشخص في طفولته،سواء من خلال تعرضه للقسوة أو العنف أو الشدة، أو نتيجة الحزم المبالغ فيه.
وأضاف علام الدلع والدلال الزائد لهما دور في تكوين شخصية المستبد، خاصة عندما يعتاد الشخص على أن يكون دائمًا أعلى من الآخرين، ويحصل على حقوق وامتيازات أكثر من إخوته أو من الأشخاص المحيطين به.
وأشار علام إلى أن التجارب المؤلمة التي يمر بها الإنسان خلال حياته يمكن أن تكون من العوامل التي تؤدي إلى تكوّن الشخصية المستبدة، مشيرًا إلى أن وجود الغرور والعنجهية والثقة المفرطة بالنفس، إلى جانب عدم الاهتمام بمشاعر الآخرين، من الصفات التي ترتبط بهذه الشخصية.
ولفت أخصائي الصحة النفسية إلي أن الشخصية المستبدة لا تهتم بالآخرين أو بمشاعرهم، ولاتهمه ما إذا كان مايفعله سيسبب الحزن أو الفرح لهم، موضحًا أن هذه الشخصية تتسم بالأنانية المفرطة وحب الذات، وأن تقديرها للأمور يكون دائمًا على حساب الآخرين، وينطلق في الأساس من مصلحتها الشخصية.
وأكد علام أن الشخصية المستبدة تتميز أيضًا بالمراوغة والكذب والخداع، وعدم الالتزام بالقواعد والقوانين الموضوعة أو بالمعايير الأخلاقية،لافتًا إلى أن الأولوية بالنسبة لها تكون لمصلحتها الشخصية وكيفية تحقيقها، دون الانتباه إلى أي شيء آخر.