تستمر الأمور يومًا بعد يوم في التعقيد أكثر، وتتزايد الضربات وتتدهور الأوضاع، في ظل عدم توصل المفاوضات إلى حل يُرضي الأطراف المعنية بالصراع، فهل، مع استمرار هذا التعقيد، ينسحب ترامب أم يواصل حتى يحقق ما يريده من هذه الحرب؟
ترامب والعودة إلى الحرب
وفيما يتعلق باستراتيجية خروج ترامب، قال السفير رخا أحمد، مساعد وزير الخارجية الأسبق والخبير الدبلوماسي، لـ”القصة”:”يتضح من كل الملابسات المحيطة أن ترامب لم يعد لديه إمكانية العودة إلى الحرب، سواء بسبب الوضع الداخلي الأمريكي، أو الكونغرس، أو الرأي العام، أو الاقتصاد، وكذلك كأس العالم الذي سينطلق يوم 11 الشهر المقبل، إلى جانب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. فالأضرار التي لحقت بحلفائه ودول الخليج كبيرة جدًا، وقد اعترف بذلك”.
وأضاف: “هذه الدول التزمت باستثمارات في الولايات المتحدة بقيمة 5 تريليونات دولار، ما يعني ضرورة أخذ رأيها في الاعتبار، كما أن ثلاث دول، هي السعودية وقطر والإمارات، طلبت منه عدم استئناف الحرب، ومن الأسباب الأخرى أنه لم ينجح في تحقيق أي من أهدافه، فقد ألحق دمارًا وأضرارًا اقتصادية كبيرة بإيران، لكنه لم ينجح في إسقاط النظام، أو منع التخصيب، أو وقف البرنامج الصاروخي، أو قطع علاقات إيران بحلفائها في الدول العربية”.
وتابع: “كل هذه العوامل، إلى جانب الأضرار الاقتصادية التي لحقت بالعالم، والضغوط التي مارستها الصين خلال زيارته إليها، وهي زيارة اعتبرها المعلقون غير ناجحة، دفعته إلى منح المفاوضات فرصة للتوصل إلى اتفاق، وهو ما يحدث الآن، كما بدأت اللهجة الأمريكية تتغير، إذ قال إنه يتوقع التوصل إلى اتفاق قريب جدًا”.
وأوضح: “يفضل أن تظل القواعد الأمريكية موجودة لفترة، على الأقل خلال فترة ترامب، لكن الحشد والوجود العسكري الأمريكي سيعودان إلى ما كانا عليه قبل الحرب، أما هذا الحشد، الذي كلّف الميزانية الأمريكية نفقات ضخمة، فإن غالبية الأمريكيين (67%) يرونه حربًا فاشلة بلا هدف، وأنها تخدم مصلحة إسرائيل لا مصلحة الولايات المتحدة”.
اعتراض المواطن الأمريكي على ارتفاع الأسعار
وأضاف: “هذه الضغوط مستمرة منذ فترة، لكنها تصاعدت مؤخرًا بعدما أثرت في حياة المواطن الأمريكي، من خلال ارتفاع الأسعار والبنزين وتكاليف المعيشة، وهو ما رفع نسبة المعارضين لسياسة ترامب”.
واستكمل: “بدأ بالفعل التجاوب مع دول الخليج والدول الأخرى والوسطاء، لكنه كان يعتمد أسلوبًا غير معتاد في التفاوض، وهو التهديد بالحرب وإبادة إيران من الخريطة، وهي لغة غير معتادة في أي أزمة تشهد مفاوضات بين طرفين، لذلك بدأ يستجيب للوسطاء بشأن التوصل إلى اتفاق حول بعض البنود، ووافق على طلب السعودية وقطر والإمارات بعدم استئناف الحرب”.
واختتم رخا حديثه قائلًا: “كما ذكرت، فإن الأهداف المعلنة منذ بداية الحرب كانت إسقاط النظام وإرغام إيران على الاستسلام، وكان ترامب يكرر، على مدى أسبوع، أنه ينتظر استسلام إيران، لكن ذلك لم يحدث. وبالطبع تركت الحرب آثارًا اقتصادية على إيران، لكن موقفها السياسي لم يتغير؛ فلم يتغير النظام، ولم تتغير سياسته تجاه الاتفاق النووي، وكان من الممكن الوصول إلى ما يريده عبر المفاوضات دون حرب”.
العمليات العسكرية الأمريكية
وقالت مونيكا ويليام، الباحثة في العلاقات الدولية وزميلة أكاديمية العلوم الروسية للدراسات الاستشراقية في موسكو، لـ”القصة”: “تكشف التطورات الأخيرة أن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران لم يعد مجرد خيار عسكري تقليدي، بل أصبح جزءًا من استراتيجية تفاوضية معقدة تقوم على إدارة الضغط أكثر من السعي إلى الحسم الكامل، فواشنطن تدرك أن الضربات المحدودة، والحصار البحري، وتحويل مسار أكثر من 100 سفينة تجارية، كلها أدوات تهدف إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني ورفع كلفة التعنت التفاوضي، دون الانزلاق إلى حرب شاملة يصعب التحكم في نتائجها”.
وأضافت: “لكن في المقابل، تبدو الولايات المتحدة نفسها أسيرة لتعقيدات الميدان، إذ إن استمرار إغلاق أو تعطيل حركة مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتوسع التهديدات الإيرانية للبنية التحتية الإقليمية، كلها عوامل جعلت هامش المناورة الأمريكي أضيق مما كان متوقعًا في بداية الأزمة، ويمكن فهم التناقض الظاهري بين وعود الرئيس الأمريكي السابقة بإنهاء الحروب التي لا تنتهي، وبين استمرار الانخراط الأمريكي في مواجهة مكلفة مع إيران”.
وأوضحت: “يحاول ترامب عمليًا تقديم نفسه كرئيس لا يخوض حروب احتلال طويلة، بل يستخدم القوة القصوى المحدودة لفرض اتفاقات أفضل، ولهذا تتأرجح تصريحاته بين التهديد بضربات حاسمة ونهائية، وبين الحديث عن منح الدبلوماسية فرصة أخيرة. لكن المشكلة تكمن في أن أي تصعيد إضافي قد يتحول سريعًا إلى حرب استنزاف إقليمية، تتناقض مع الخطاب السياسي الذي بنى عليه ترامب جزءًا كبيرًا من شعبيته الداخلية”.
وأكملت ويليام: “من الواضح أن واشنطن لم تعد تتحرك منفردة في إدارة الأزمة، بل أصبحت الضغوط الإقليمية عاملًا أساسيًا في توجيه مسارها، فالدور الذي تلعبه دول الوساطة، مثل مصر وقطر والسعودية وتركيا وباكستان، يعكس إدراكًا إقليميًا بأن استمرار الحرب يهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار الخليج بشكل مباشر”.
وأضافت: “لكن العقبة الجوهرية لا تزال تتمثل في القضايا السيادية الكبرى، وعلى رأسها تخصيب اليورانيوم، ومصير المخزون الإيراني عالي التخصيب، وآلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، التي تُقدّر بنحو 100 مليار دولار، فإيران تريد الإفراج السريع عن الجزء الأكبر من هذه الأموال قبل التوصل إلى اتفاق نهائي، بينما تصر واشنطن على ربط أي تخفيف مالي بضمانات واضحة تتعلق بالبرنامج النووي وسلوك إيران الإقليمي، كما تصر طهران على الاحتفاظ بدور إشرافي في مضيق هرمز، في محاولة لتكريس اعتراف دولي ضمني بنفوذها البحري في الخليج”.
وتابعت: “داخليًا، بدأت الأزمة تفرض كلفة سياسية واقتصادية متزايدة على الإدارة الأمريكية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الحرب رفعت فاتورة الوقود على الأمريكيين بأكثر من 40 مليار دولار، مع ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 50% مقارنة ببداية الأزمة، وهو ما انعكس على معدلات التضخم وثقة المستهلك، كما أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب، خصوصًا بين المستقلين والديمقراطيين، بل وحتى داخل بعض الأوساط الجمهورية التي تخشى تأثير الأزمة على انتخابات التجديد النصفي”.
واختتمت ويليام حديثها قائلة: “في ضوء هذه المعادلة، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى هدنة تفاوضية تحت الضغط، حيث يستخدم كل طرف أدواته العسكرية والاقتصادية لتحسين شروط التفاوض، بينما يدرك الطرفان، في الوقت نفسه، أن الحرب الشاملة لم تعد قادرة على تحقيق نصر حاسم، بقدر ما قد تؤدي إلى أزمة إقليمية ودولية مفتوحة”.