قرأت الأخبار بدهشة فرأيتهما في خيالي يسيران في اليوم نفسه.
الأول يدخل من بوابة المصايف الفخمة في الساحل الشمالي.
يلوح بهاتفه فتفتح البوابة.
يبتسم، ثم يختفي خلف صفوف النخيل والبحر الأزرق، مطمئنًا أنه يملك QR كود.
الثاني يقف أمام ماكينة صراف آلي في أحد الأحياء الشعبية.
ينظر إلى الرصيد.
يصمت.
ثم يعيد البطاقة إلى محفظته، ويؤجل شراء شيء كان يعتبره ضروريًا.
بين الرجلين، أقل من ثلاث ساعات بالسيارة.
لكن بين حياتيهما سنوات ضوئية.
ليس الخبر أن شركة إعمار التي يملكها الملياردير الإماراتي محمد العبار قررت فرض عضوية بقيمة ثلاثة آلاف دولار، تتيح ثلاث زيارات فقط إلى شاطئ أحد فنادقها في العلمين.
وليس الخبر أن زيارة واحدة أصبحت بألف دولار.
الخبر الحقيقي أن أحدًا لم يعد يتعامل مع الأمر باعتباره خيالًا.
فقد صار واقعًا عاديًا.
وهنا يبدأ القلق.
في الأسبوع نفسه قرأت عن حفلة الفنان عمرو دياب في مراسي.
حفل صيفي جديد.
التذاكر وصلت في بعض فئاتها إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.
وفي المكان نفسه تقريبًا، تُعرض شقق وفيلات تتجاوز أسعارها عشرات الملايين، بينما تلامس بعض الوحدات حاجز مائتي مليون جنيه.
قد يقول قائل: وما المشكلة؟
والإجابة كما أظنها: لا توجد مشكلة، في الثراء، ولا في الاستثمار.
ولا في أن يحقق أحد ثروة، أو يشتري منزلًا يطل على البحر.
هذه ليست جريمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الثراء إلى هذا العالم المغلق.
وحين تصبح الشواطئ الخاصة أكثر من الشواطئ العامة.
وحين يصادر البحر لصالح الأغنياء.
وحين تصبح الأسوار أعلى من قدرة الناس على الرؤية.
وحين يشعر ملايين الناس الذين ليسوا في الساحل ولا مراسي أن وطنهم ينقسم إلى خرائط غير مرئية.
في اللحظة التي رأيت فيها مظاهر الثراء عدت إلى الأرقام.
لعلها تكون مفيدة الآن.
تقول أحدث البيانات الرسمية إن نحو ثلث المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر قبل سنوات قليلة.
ثم جاءت موجات التضخم.
وجاء تعويم ثم تعويم ثم تعويم جديد.
وقفزت الأسعار، وتراجعت القوة الشرائية كما لم يحدث من قبل.
الأرقام لا تكذب، لكنها تحتاج إلى من يقرأ ما وراءها.
آخر رقم رسمي للفقر في مصر، وفق بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ 29.7% عام 2020 أي قبل موجات التضخم الحادة التي ضربت الاقتصاد لاحقًا.
وبينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى ضغوط معيشية متزايدة وارتفاع معدلات الهشاشة الاقتصادية، قفز التضخم السنوي إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزًا 30% في بعض الفترات، وهو ما أضعف القوة الشرائية لملايين الأسر.
كنت أقرأ هذه الأرقام وأنظر إليها لا باعتبارها أرقامًا جافة في تقرير اقتصادي ممل.
بل باعتبارها وجوهًا وبشرًا.
هي أحلام صغيرة تتآكل كل شهر وهي تفكر في دفع فاتورة الكهرباء.
نفس الأرقام تقول إن سوق العقارات الفاخرة يسجل مبيعات بمليارات الجنيهات.
ولا عيب في ذلك.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أي محب لهذا البلد هو: هل يكبر الاقتصاد كله؟
أم تكبر فقط جيوب أناس بعينها؟
هل تتسع الطبقة الوسطى؟ أم تنكمش؟
هل يشعر الشاب الذي يبدأ حياته اليوم أن الاجتهاد يمكن أن ينقله إلى مكان أفضل؟
أم أن السلم الاجتماعي سُحب من تحته، ولم يبق سوى المصعد؟
هذا الذي لا يملكه إلا قلة؟
المجتمعات لا تخاف من الأغنياء.
بل تحتاج إليهم أحيانًا، مثلما تحتاج إلى المستثمرين.
لكنها تخاف من شيء آخر.
أن تتحول الثروة إلى عزلة.
وأن تنقسم خريطة المجتمع إلى نصفين.
نصف يملك والآخر يشاهده من بعيد.
حينها، لا يعود التفاوت الاقتصادي مجرد فارق في الدخل.
بل يتحول إلى شعور بالاغتراب والغضب والألم.
لهذا لم يكن الجدل حول شاطئ بألف دولار.
كان الجدل حول الرسالة.
عن أي بلد نتحدث؟
بلد يستطيع فيه مواطن أن يدخل البحر لأنه يملك ألف دولار؟
ومواطن آخر يعجز عن اصطحاب أسرته إلى مصيف شعبي لأيام قليلة؟
المسألة ليست دعوة إلى الفقر.
بل دفاع عن فكرة أبسط من ذلك كله.
أن يبقى الوطن مساحة مشتركة.
لا نادياً مغلقًا “للسادة” الكبار.
ثم هناك سؤال آخر يشغلني: سؤال يخص الدولة نفسها.
الشواطئ في الأصل ملكية عامة.
والأرض التي تُقام عليها المشروعات العمرانية لا تنتقل معها السيادة.
المستثمر يطور ويبني ويربح.
وهذا حقه.
لكن لا ينبغي أن يتحول الحق في الاستثمار إلى شعور بالوصاية على المكان، أو إلى علاقة يبدو فيها المواطن ضيفًا في بلده.
القانون هو الذي يجب أن يحكم الجميع.
لا حجم الثروة، ولا جنسية المستثمر.
الحق أقول إنني أخاف من المشهد كله.
لا لأن هناك من يدفع ألف دولار لزيارة شاطئ.
سيظل في كل مجتمع من يستطيع، ومن لا يستطيع.
لكنني أخاف من اليوم الذي يتوقف فيه المصريون عن رؤية بعضهم البعض.
حين يعيش كل فريق داخل عالمه.
ويظن أن الآخر مجرد خبر يمر على الشاشة.
التفاوت الاقتصادي ليس أخطر ما يصيب الدول.
الأخطر هو التفاوت في الإحساس بالانتماء.
حين يشعر مواطن أن هذا البلد يشبهه.
ويشعر آخر أنه لم يعد يجد لنفسه مكانًا فيه.
ربما لم تكن قصة مراسي هي القضية.
وربما لم يكن حفل عمرو دياب هو المشكلة.
وربما تصبح هذه الضجة خبرًا قديمًا بعد أيام.
لكن ما سيبقى هو السؤال:
أي مصر نبني؟
مصر التي تُقاس فيها قيمة الإنسان بما يملكه؟
أم مصر التي تظل، رغم اختلاف الطبقات، وطنًا يتسع للجميع؟
فالأوطان لا تنهار عندما يمتلك الأغنياء شققًا فاخرة.
بل تنهار عندما يقتنع من يقفون خارج الأسوار أن الداخل لم يعد وطنًا لهم.
مصادر الأرقام: “الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء،.. البنك الدولي.. مؤشرات التنمية العالمية وتقارير الاقتصاد المصري).