تصاعدت حدة التراشق الدبلوماسي والسياسي حول ملف مياه نهر النيل، عقب إعلان إثيوبي جديد أكدت فيه أديس أبابا تمسكها بما تصفه بـ “الحق السيادي” في تشييد سدود مائية جديدة دون الحاجة لاستئذان أو موافقة مصر والسودان، رافضة ما تسميه بـ “العقلية الاستعمارية” أو إصرار دول المصب على شرط “الموافقة المسبقة”.
وجاء الموقف على لسان وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، الذي أعلن في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية “إينا”، عن مواصلة بلاده استكمال بناء سد كبير على نهر “ماجيتش” لدعم مشروعات الري وتوفير المياه، بزعم توافقه مع القوانين الدولية ومبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”. واستحضر إيتيفا مشروع “السد العالي” في أسوان متسائلاً عما إذا كانت أديس أبابا قد أُحيطت علما أو استُشيرت قبل بنائه، مدعياً أن إصرار القاهرة على موافقة دول الحوض يمثل نهجاً قديماً مرتبطاً بترتيبات تاريخية وتعارضاً مع حقوق دول المنبع.
وتفتح هذه التصريحات الإثيوبية مواجهة قانونية وفنية واسعة النطاق بين الحقوق المشروعة للتنمية بين دول الأحواض الدولية، وبين المبادئ المستقرة في القانون الدولي للبحار والأنهار العابرة للحدود، والتي تحظر اتخاذ أي إجراءات أحادية تؤدي لإلحاق ضرر بيئي أو مائي بدول المصب.
حق المشروعات المائية مشروط بـ «عدم الإضرار» والظروف السياسية اختلفت عن 2011
وفي تفنيد فني وقانوني للموقف الإثيوبي، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، لـ “القصة”، إن هناك مبادئ عامة لإنشاء السدود على الأنهار الدولية؛ ونهر النيل نهر دولي مشترك بين 11 دولة، وبالتالي يخضع للقواعد الدولية والاتفاقيات المبرمة بين مصر ودول الحوض بما فيها إثيوبيا.
وأوضح شراقي أن الأعراف والقوانين الدولية تنص على حق الدولة في إقامة مشروعات تنموية، لكن هذا الحق مشروط وليس مطلقاً؛ لافتاً إلى أن الدولة تنفرد بقرار المشروعات في حالة واحدة فقط إذا كان النهر داخلياً محلياً لا تشترك فيه أي دولة أخرى، أما حين يكون النهر مشتركاً فلا يحق للدولة الانفراد، وتصبح الشروط الحاكمة هي عدم الإضرار بالدول المشتركة، والالتزام بمبدأ التشاور والإخطار المسبق وتقديم الدراسات للتحقق من عدم وجود ضرر.
وأكد أستاذ الموارد المائية أنه لو التزمت إثيوبيا بهذه المعايير فإن مصر ترحب بذلك، مشيراً إلى أن الشركات المصرية هي من أنشأت سد “جوليوس نيريري” في تنزانيا وسدوداً أخرى في أوغندا بعد التأكد من عدم وجود ضرر على مصر، وشدد على أنه إذا لم تقدم إثيوبيا الدراسات وتلتزم بالإخطار، فهناك رفض مصري صريح؛ ولهذا أعلن المسؤولون في مصر أن القاهرة لن تسمح ببناء سدود جديدة في إثيوبيا تُلحق بها الضرر، بينما لو كانت سدوداً على أنهار داخلية أخرى فلها مطلق الحرية.
وحول الادعاء الإثيوبي بشأن “الاستخدام المنصف والمعقول”، أوضح شراقي أنه لا يوجد سند قانوني يمنح إثيوبيا حق إنشاء سدود جديدة دون التفاوض والرجوع للدول المشاركة على المجرى المائي والمستفيدة من روافد النيل، مؤكداً أن التمادي الإثيوبي يعد مخالفة صريحة؛ وهو ما جعل سد النهضة سداً غير شرعي لعدم الحصول على موافقة دولتي المصب (مصر والسودان).
ولفت خبير الموارد المائية إلى أنه إذا استمرت إثيوبيا في هذا النهج المرفوض، فسيتم اتخاذ إجراءات أخرى تُقدرها القيادة السياسية المصرية؛ موضحاً أنه سبق اللجوء لمجلس الأمن، ومشدداً على أن مصر تحتفظ بحق الدفاع عن أمنها المائي بشتى الطرق المشروعة التي يكفلها ميثاق الأمم المتحدة.
وأضاف الدكتور شراقي أن سد النهضة أُقيم في ظروف استثنائية مرت بها الدولة المصرية عقب ثورة يناير 2011، بينما الظروف الحالية مختلفة تماماً، مشيراً إلى أن المسؤولين أعلنوا الرفض التام ولن يسمحوا بتكرار هذا الفعل، مؤكداً في الوقت نفسه أن الدولة المصرية عبر مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وحفر الآبار الجوفية وتأمين المخزون بالسد العالي تكفل تماماً حماية المواطن المصري وعدم شعوره بأي نقص مائي أو جفاف مهما كانت التحديات.
الاستخدام المنصف ليس حقاً منفصلاً ولا يمنح «فيتو» أو انفراداً أحادياً
من جانبه، أورد الدكتور رامي زهدي، خبير الشؤون الأفريقية، “للقصة”، قراءة قانونية دقيقة لادعاءات أديس أبابا؛ مؤكداً أنه من الناحية القانونية لا يمكن القول إن القانون الدولي يمنح إثيوبيا حقاً مطلقاً في إنشاء سدود على نهر النيل دون مراعاة حقوق دول المصب.
وأوضح زهدي أن إثيوبيا لها بالفعل حق مشروع في التنمية والاستخدام المنصف والمعقول للمياه، لكن هذا الحق يرتبط في المقابل بالتزامات أساسية في مقدمتها عدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى، والتعاون وتبادل المعلومات والإخطار والتشاور بشأن المشروعات التي قد تؤثر في مصالح دول الحوض.
وشدد الخبير في الشؤون الأفريقية على أن القضية ليست أن مصر أو السودان يملكان حق “الفيتو” على كل مشروع إثيوبي، وإنما أن المشروعات الواقعة على مجرى مائي دولي لا يمكن التعامل معها باعتبارها شأناً داخلياً خالصاً متى امتدت آثارها وتأثيراتها إلى دول أخرى.
وحول استناد أديس أبابا لمبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”، أشار زهدي إلى أنه حق قانوني مهم لإثيوبيا، لكنه ليس مبدأ منفصلاً عن باقي قواعد القانون الدولي؛ مبيناً أن إعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان جمع ذاته بين الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات والاتفاق على قواعد الملء والتشغيل.
واختتم رامي زهدي حديثه بالتشديد على أنه لا يمكن استخدام مبدأ الاستخدام المنصف لتبرير إجراءات أحادية تتجاهل مصالح مصر والسودان أو تفرض أمراً واقعاً جديداً، مؤكداً أن المطلوب ليس حرمان إثيوبيا من التنمية، وإنما ضمان أن تتم هذه التنمية في إطار قانوني وتعاوني يحفظ مصالح دول المنبع والمصب معاً.