صعود اليسار مجددا للحكم في البرازيل عبر فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية التي أجريت الأحد الماضي، فتح منافذ الحوار حول موقع اليسار المصري على الساحة السياسية، وفرصه في التواجد بصورة قوية وحقيقية. وما إذا توافرت فرص لصعوده هو الآخر للمواقع القيادية، خصوصا أن تاريخ مصر الحديث لم يشهد تواجدا حقيقيا لليسار في الصفوف الأمامية.
مصر تحتاج إحياء أفكار اليسار
يقول الكاتب والمفكر عبدالله السناوي إن أحد أبرز المشكلات الأساسية في مصر بعد تصفية التجربة الناصرية هي غياب اليسار. مضيفا أن هذه الأزمة جعلت اليمين صاحب اليد العليا في الدولة المصرية على مر العصور.
ويضيف السناوي، في تصريحات خاصة، أنه في بداية التعددية الحزبية والمنابر كان حزب التجمع – القامة اليسارية الكبرى – يمثل قوى هامة. وكان له دورا أساسيا في انتفاضة الخبز 1977، ثم بدأ يتعرض للحصار ويضربه الضعف، خصوصا عقب تعرضه لانشقاقات كبرى. تلاه الحزب الناصري كمكون يساري رئيسي، ما ولَّد أزمة بين الجماهير التي كانت بطبيعة الحال تميل إلى اليسار. حيث أصبحت لا تجد الصيغة السياسية أو التنظيمية التي تعبر عنها.
ويشير السناوي إلى أن مصر تحتاج الآن لإحياء التيار اليساري. موضحا أن الثورات بالتعريف يسارية، وتعريف المثقف الحقيقي العضوي أنه على يسار المجتمع. “ما يعنى أن اليسار يمثل قوى التحريك والإلهام للحركة العامة بالمجتمع، وضعفه أو تراجعه يضعف الحركة السياسية عموما”، حسب رؤيته.
ويردف: “أنا لا أتحدث عن اليسار بشكل تنظيمي، لكن عن نفوذه بالأفكار والتصورات التي تُعتَبَر موجودة. فهي لم تصل إلى حد إلهام الحركة العامة، لكن أقل بكثير”.
وعن تجربة البرازيل، يقول الكاتب والمفكر إنها مختلفة إلى حد كبير، لافتا إلى أن سياقها التاريخي يختلف عن بلدنا. موضحا: “فأهمية تجربة لولا تتمثل في الانتقال من الكفاح المسلح للعمل الديمقراطي، وهو تاريخ طويل وممتد من العمل والجهد”. ومؤكدا أن اليسار اللاتيني تعرض لانتكاسة من وراء ما سمَّاه “الهجوم الترامبي” الواسع والشرس عليها. ما جعل نجاح لولا دا سيلفا بمثابة رد اعتبار تاريخي لفكرة الثورة. مشددا على أنه منح الأمل لمواصلة الإيمان بالديمقراطية كسبيل رئيس للأمان والعدل الاجتماعي والمساواة.
ويرى السناوي أن نجاح لولا أصبح إشارة واضحة على إمكانية هزيمة الفاشية، وهو ما لابد من توضيحه هنا في مصر. موضحا: “لرفع الروح المعنوية لدى شعبها وساساتها. وترسيخ فكرة أن هزيمة التبعية ممكنة. وأنه إذا آمن الشعب بنفسه وقدراته، وتوفرت له نخب يسارية حقيقية يمكن أن ينتصر”.
تليمة: اليسار المصري غير مجهز
بينما يرى الصحفي والسياسي خالد تليمة أن اليسار المصري غير مجهز لأي صعود في اللحظة الراهنة. وأن المناخ السياسي والهامش المتاح للأحزاب والنقابات هنا في مصر يختلف تماما عن مثيله في البرازيل.
ويقول تليمة لـ”القصة” إنه حتى النقابات، التي أفرزت “لولا” في البرازيل، تختلف في تركيبتها وفي الهامش المتاح لها عن مصر. مضيفا أن انتخابات النقابات في مصر تم تأجيلها، وأن النقابات العمالية – شأنها شأن المناخ العام المصري – مؤممة بالكامل. فلا يمر أو يتم ترشيح أي شخص منها إلا إذا كان هناك موافقة أمنية عليه. موضحا: “فالمسألة لدينا ليست بهذه السهولة”.
ويشير تليمة إلى أن أزمات اليسار خصوصا، والمجال العام المصري عموما، تمنعا وصول اليسار للمناصب القيادية في الوقت الراهن. موضحا: “هذه الصورة ليست سلبية، لكنها تؤكد أن اليسار المصري يحتاج للكثير من العمل والتقارب وبذل الجهد فيما يتعلق بالأحزاب والنقابات المهنية والعمالية، من كل التيارات والتوجهات المختلفة داخل اليسار، التي لابد أن تتفاعل معا”.
ويلفت تليمة النظر إلى أنه لابد من الخروج من فكرة ضيق المجال العام، وتأميم النقابات، إلى العمل وتجهيز تيار اليسار خصوصا في النقابات العمالية للقيادة في فترة مقبلة وليس بالضرورة في الوقت الحالي.
وعن المدى الزمني، أكد تليمة أن الأمر يحتاج المزيد من الوقت كي تتبلور الأفكار ويستعد اليسار في مصر للصعود بقوة، ويتمكن من إفراز قيادات حقيقية من شأنها قيادة الدولة على جميع المستويات. ويردف: “تجربة البرازيل بظروفها وملابساتها بعيدة كثيرا عن مصر. لأننا هنا نحتاج وقت أكبر وجهد مضاعف وحراك حقيقي من أجل تقديم قيادة حقيقية”.