تحليل سياسي:
قد تثير بعض البيانات الصادرة عن الأحزاب والقوى السياسية عواصف وأزمات، وهذا ما حدث مع البيان الذي أصدرته الحركة المدنية الديمقراطية أول من أمس تضامنًا مع رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام في أزمة إزالة القصر المملوك له.
البيان العجيب وغير المبرر أثار أزمة كبيرة داخل الحركة.
الغريب أن أحزابًا وشخصيات محسوبة على الحركة خرجت لتعلن أنها لم تُستشر في البيان أو أنها لا تتفق مع مضمونه، ولم توقع عليه، بينما أصدر حزب المحافظين نفسه بيانًا أكد فيه أن القضية قانونية خاصة وأن قرطام لم يطلب من الحركة إصدار بيان تضامن باسمه!
هنا يبرز السؤال الطبيعي: إذا كانت أحزاب رئيسية داخل الحركة، مثل الكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي والدستور، قد أبدت اعتراضات أو نفت مسؤوليتها عن البيان، وإذا كان الحزب المعني بالأزمة نفسها يتحفظ على الطريقة التي طُرحت بها القضية، فمن كتب البيان أصلًا؟ ومن الذي قرر أن يتحدث باسم تحالف سياسي واسع دون توافق واضح بين مكوناته؟
الأزمة لا تتعلق فقط بقصر أو حتى ببيان صدر ثم تم سحبه والاعتذار عنه. لكن البيان كشف عن مشكلة أعمق تتعلق بطريقة إدارة العمل السياسي نفسه. فالحركات والتحالفات السياسية لا تُقاس بمدى قدرتها على اتخاذ مواقف واضحة عبر آليات شفافة ومؤسسية.
وعندما يتحول بيان واحد إلى مادة للخلاف الداخلي، للدرجة التي تضيع معه الحقيقة ويفشل الجميع في إجابة السؤال: من صاحب فكرة البيان ومن صاغه؟ فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول آليات اتخاذ القرار ومن يملك حق التحدث باسم الجميع.
الحركة المدنية الديمقراطية وُلدت كإطار يجمع قوى سياسية مدنية مختلفة حول مطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وهذه الأهداف ما زالت ضرورية ومطلوبة أكثر من أي وقت مضى. لكن الدفاع عن هذه القيم يحتاج أيضًا إلى قدر من الوضوح والاتساق الداخلي. فلا يمكن إقناع المجتمع بأهمية الديمقراطية بينما تظل آليات اتخاذ القرار داخل الكيانات السياسية نفسها غامضة أو محل خلاف، ويظل الهروب الكبير من المسؤولية عن مجرد إصدار بيان واضحًا بهذا الشكل.
المؤكد أن دلالة هذه الأزمة تتجاوز حدود البيان نفسه. فالسؤال لم يعد فقط: من كتب البيان؟ بل: كيف تُدار السياسة داخل المعارضة المدنية؟ وهل ما زالت الصيغ القديمة قادرة على التعبير عن اللحظة الحالية؟ أم أن الحاجة أصبحت ملحة لظهور جيل سياسي جديد أكثر وضوحًا في رؤيته، وأكثر شفافية في قراراته، وأكثر قدرة على فهم الواقع كما هو لا كما كان قبل سنوات، وأكثر قدرة على منح الحيوية لحياة سياسية راكدة.
قد يمر الجدل الحالي سريعًا، لكن الأسئلة التي كشفها ستظل قائمة. وفي السياسة، أحيانًا تكون الأسئلة أهم كثيرًا من البيانات.