لم يكن قرار الفصل بالنسبة لبعض الموظفين مجرد ورقة إدارية تنهي علاقة بالعمل، بل كان لحظة فاصلة تغيّر معها شكل الحياة داخل أسر كاملة، فخلف كل قرار فصل، قد توجد أسرة تعتمد على راتب شهري، وأبناء ينتظرون احتياجاتهم اليومية، وموظف يجد نفسه أمام مستقبل مجهول بعد سنوات قضاها في خدمة عمله.
وبينما جاء قانون 73 الخاص بفصل الموظفين متعاطي المخدرات بهدف حماية المجتمع ومواجهة ظاهرة تهدد سلامة المواطنين، خاصة في الوظائف التي ترتبط بأرواح الناس، فإن الجدل حول طريقة تطبيقه لا يزال قائمًا.
وخلال الفترة الماضية، شهد مجلس النواب عدة تحركات بشأن تطبيق قانون فصل الموظفين متعاطي المخدرات، حيث تقدم النائب أحمد بلال البرلسي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، بمشروع قانون لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، بمشاركة 60 نائبًا.
وتقدم النائب إيهاب منصور بطلب إحاطة طالب فيه بالكشف عن أعداد الموظفين الذين تم فصلهم وأسباب الفصل، مع مراجعة حالات من أكدوا أن نتائج التحاليل جاءت بسبب أدوية علاجية.
كما تقدم النائب عاطف مغاوري بطلب إحاطة لمناقشة التداعيات الاجتماعية والإنسانية للقانون، مطالبًا بإعادة النظر في آليات التطبيق ومنح فرص للعلاج والتأهيل في بعض الحالات.
فيما طالب النائب أمير أحمد الجزار، من خلال طلب إحاطة للحكومة، بمراجعة إجراءات التحاليل، وتوفير ضمانات أكبر للموظفين، خاصة في الحالات التي ترتبط بتناول أدوية قد تؤثر على نتائج الفحص.
وفي 16 من يوليو الجاري، نظم المجلس القومي لحقوق الإنسان، من خلال لجنة الحقوق الاقتصادية، وبالتعاون مع لجنة الحقوق الاجتماعية واللجنة التشريعية ولجنة الشكاوى، جلسة خبراء وطنية موسعة لمناقشة الأثر التشريعي والحقوقي والاقتصادي والاجتماعي لتطبيق الأحكام المتعلقة بإنهاء الخدمة حال ثبوت تعاطي المواد المخدرة المنصوص عليها بالقانون رقم (73) لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها.
واختتمت الجلسة أعمالها بالتوافق على قيام اللجان المعنية بالمجلس بإعداد ورقة سياسات مشتركة تتضمن قراءة مؤسسية للخبرة التطبيقية للقانون، وصياغة مجموعة من التوصيات التشريعية والتنفيذية والإجرائية والاجتماعية المستندة إلى مخرجات الحوار، تمهيدًا لعرضها وإحالتها إلى الجهات المختصة، دعمًا لجهود تطوير التشريعات والسياسات العامة، وترسيخًا لنهج الحوار المؤسسي القائم على المعرفة والشراكة بين مختلف مؤسسات الدولة.
وكان من بين الحضور، الدكتور طلعت عبد القوي، رئيس الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، الذي قال في حديثه لـ “القصة” إن قانون فصل الموظفين متعاطي المخدرات جاء بهدف الحد من الحوادث الناتجة عن تعاطي بعض الموظفين للمواد المخدرة، خاصة العاملين في المهن المرتبطة بالجمهور، مثل سائقي القطارات وسائقي الأتوبيسات، مشيرًا إلى أن ذلك دفع إلى مناقشة القانون وإقراره عام 2021.
وأوضح أن القانون يحد من نسبة التعاطي بشكل كبير جدًا، مشيرًا إلى أن تطبيقه حقق نتائج واضحة، إذ كانت نسبة التعاطي داخل الجهاز الحكومي تبلغ 8%، وبعد مرور أربع أو خمس سنوات انخفضت إلى 0.6%، موضحًا أن أبرز المشكلات تتمثل في الأثر التشريعي الناتج عن تطبيقه، وأن فصل بعض الموظفين أدى إلى انقطاع مصدر دخلهم، وهو ما انعكس سلبًا على أسرهم.
وفيما يتعلق بإمكانية صياغة قانون أكثر عدالة، أوضح أن الهدف من أي قانون هو تحقيق العدالة، إلا أن الوصول إلى تشريع أكثر عدالة يتطلب إجراء حوار مجتمعي قبل إقراره، ودراسة أبعاده والدوافع التي استوجبت إصداره، إلى جانب تقييم الأثر التشريعي المترتب على تطبيقه.
وفي السياق نفسه، قال مجدي البدوي نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في حديثه لـ “القصة إن قانون فصل الموظفين متعاطي المخدرات جاء بعد ارتكاب بعض العاملين، وهم تحت تأثير المواد المخدرة، جرائم ومخالفات أضرت بالمواطنين، مشيرًا إلى أن بعض الحوادث الكبرى كانت سببًا في تصاعد المطالب بإصدار القانون.
ويرى أن القانون في صورته الحالية عقابي وليس إصلاحي، موضحًا أن الموظف بمجرد ثبوت التعاطي يفصل من العمل ويثبت ذلك في سجلاته، بما يغلق أمامه فرص الالتحاق بعمل آخر، وهو ما ينعكس على أسرته التي تصبح بلا مصدر دخل، مؤكدًا أن ذلك لا يمثل دفاعًا عن متعاطي المخدرات، وإنما مراعاة لأوضاع أسرهم.
وأضاف “البدوي” أن القانون كان من الأفضل أن يتضمن إجراءات إصلاحية، بحيث يُمنح الموظف فرصة للعلاج والمتابعة، من خلال العمل لمدة ستة أشهر بنصف راتب مع إخضاعه لتحاليل دورية، فإذا ثبت تعافيه يعود إلى عمله بكامل راتبه، مع استمرار متابعته لمدة عامين، أما إذا عاد للتعاطي بعد ذلك فيكون الفصل مبررًا.
وأشار إلى أن أبرز ثغرات القانون تتمثل في الفصل من أول مرة، فضلًا عن إثبات سبب الفصل في الحالة الجنائية أو السجلات الوظيفية، وهو ما يغلق فرص العمل أمام الموظف مستقبلًا، على حسب وصفه، موضحًا أن المشكلة الأساسية بالنسبة له ليست الموظف وحده، وإنما الأسرة التي تعتمد على دخله.
وأكد “مجدي البدوي” أن صياغة قانون أكثر عدالة تستلزم إعطاء الموظف فرصة للعلاج والمتابعة قبل اتخاذ قرار الفصل النهائي.
ومن جانبه، قال حسن ترك، رئيس حزب الاتحادي الديمقراطي في حديثه لـ “القصة” إن قانون فصل الموظفين متعاطي المخدرات جاء بعد حادث قطار رمسيس الشهير، موضحًا أن الحادث وقع بعدما دخل أحد السائقين محطة رمسيس بسرعة 80 كيلو، ما أدى إلى وفاة أكثر من 20 شخصًا ووقوع إصابات كثيرة.
وأضاف أن ذلك دفع إلى إجراء تحاليل مخدرات مفاجئة لموظفي الحكومة، خاصة السائقين والعاملين في الوظائف التي قد يؤدي تعاطيهم فيها إلى وقوع حوادث، بعدما تبين أن السائق كان يتعاطى مادة “الاستروكس”.
وأوضح أن التحاليل كانت تُجرى لموظفي الحكومة والجيش والشرطة من خلال لجان الطب الشرعي، وأن الموظف الذي تثبت إيجابية تحليله كان يحصل على مهلة للعلاج لمدة ثلاثة أشهر على نفقة الدولة، مع توقف راتبه أو حصوله على جزء منه، بينما كان العاملون في الوظائف المهمة، مثل السائقين، يتم إيقافهم وفصلهم من العمل مباشرة.
وأشار إلى أن هناك مطالبات بإجراء تعديلات على القانون، موضحًا أن المجلس القومي لحقوق الإنسان شارك في جلسات مناقشته وطالب بعدد من التعديلات، بسبب تعرض بعض الموظفين للظلم.
ولفت إلى أن من أبرز المشكلات أن جهة تابعة للحكومة هي التي تقوم بالتحليل وتصدر التقرير، وبناءً عليه يتم إبلاغ جهة عمل الموظف بفصله.
وأضاف أن هذا الأمر يتم أمام أهل الموظف وأولاده وعائلته، وهو ما يكون صعبًا جدًا، خاصة أن هناك بعض الأدوية التي قد تعطي نفس تأثير المخدرات، وهناك حالات أثبتت ذلك، من بينها حالات لسيدات، مطالبًا بأن تكون الجهة التي تقوم بالتحليل معروفة للموظف، وأن يكون من حقه التظلم من القرار الصادر ضده، وإجراء تحليل آخر يثبت من خلاله أنه لا يتعاطى، حتى يتمكن من الطعن على قرار الفصل والعودة إلى عمله.
وأضاف “ترك” أن المطالبة الأساسية هي أن تكون جهة التحليل محايدة وليست تابعة للحكومة، قائلًا إن الموظف حكومي، والجهة التي تجري التحليل حكومية، ولذلك يجب أن يكون هناك معمل يتفق عليه الجميع ويثقون في قراراته، ويتولى إجراء التحاليل المفاجئة، مشيرًا إلى أن هناك جانبًا اجتماعيًا وإنسانيًا يجب مراعاته في تطبيق القانون، موضحًا أن الموظف قد يتلقى قرار فصله بشكل مفاجئ بعد 20 أو 25 عامًا من العمل، ليجد نفسه مرفوضًا أمام جيرانه وأقاربه وأسرته وأولاده بسبب اتهامه بالتعاطي.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق بالموظف فقط، وإنما بأسرته التي تعتمد على دخله، متسائلًا عن مصير الأبناء الذين يدرسون في المدارس والجامعات إذا فقد الأب مصدر دخله، مؤكدًا ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي والإنساني حتى لا يتعرض أحد للظلم.
وطالب بمراعاة ظروف الموظف وأسرته خلال فترة العلاج قبل اتخاذ قرار الفصل النهائي، مؤكدًا أن القانون له آثار إيجابية، لكنه يرى ضرورة تقليل آثاره السلبية حتى تستمر الأسرة في وضعها الطبيعي وتتمكن من الإنفاق إلى أن يتم التعامل مع وضع الموظف.
وأكد أن القانون رقم 73 جيد في الأساس، لكنه يحتاج إلى بعض التعديلات، وعلى رأسها وجود شفافية في إعلان الأرقام والحالات التي يتم ضبطها، موضحًا أن معرفة الأعداد الحقيقية للموظفين الذين تم فصلهم تساعد المواطنين على فهم حجم المشكلة بشكل واضح.
وأضاف أن الشفافية في هذا الملف قد تساهم في الحد من تعاطي المخدرات، كما أنها تمثل ضغطًا على تجار المخدرات، لأن تراجع أعداد المتعاطين سيؤثر على تجارتهم.