في الأعوام الأخيرة، تبدلت نظرة الدولة لملف الأراضي والعقارات المملوكة لها، وأصبح لها اتجاه مختلف لجذب الاستثمار الأجنبي باعتباره أحد مصادر توفير العملة الصعبة وتحريك الاقتصاد. لكن مع كل تعديل قانوني جديد، يظهر سؤال متكرر: أين الحد الفاصل بين تشجيع الاستثمار وحماية أصول الدولة؟
تملك غير المصريين للأراضي والعقارات
بدأ تنظيم تملك غير المصريين للأراضي والعقارات في مصر بسلسلة من القوانين، أبرزها قانون الأراضي الصحراوية رقم 143 لسنة 1981، ثم قانون 230 لسنة 1996 الذي قيد تملك الأجانب للعقارات بشروط محددة، منها عدد العقارات والمساحة وعدم التصرف فيها قبل مرور مدة معينة. وبعدها جاء قانون الاستثمار رقم 72 لسنة 2017 ليمنح إطارًا أوسع لتخصيص الأراضي وحق الانتفاع للمشروعات الاستثمارية.
وفي يناير 2024، وافق مجلس النواب على تعديلات على قانون الأراضي الصحراوية بهدف إزالة التعارض بين النصوص وتسهيل الاستثمار، لكن التعديلات أثارت اعتراضات داخل البرلمان بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي وطبيعة بعض الأراضي ذات الحساسية الخاصة.
وفيما يتعلق بالتراث، تظهر أسئلة أخرى أكثر تعقيدًا: ما الفرق بين الأثر والمبنى التراثي؟ وهل المبنى الذي يتمتع بقيمة تاريخية لكنه غير مسجل رسميًا يمكن بيعه لمستثمر أجنبي؟ ومن المسؤول عن حمايته؟ وهل القوانين الحالية تكفي لحماية المباني والحدائق والأصول ذات القيمة التاريخية، أم تحتاج إلى مراجعة جديدة؟
ومن خلال قراءة تطور القوانين، وفهم حدود ما تسمح به، وأين تقف الخطوط الفاصلة بين الاستثمار والحفاظ على التراث وأصول الدولة، نحاول الإجابة على هذه الأسئلة.
وأوضح المحامي والحقوقي أحمد أبو المجد، في تصريحاته لـ “القصة”، أن المنظومة التشريعية المصرية تفرق بين آليات التعامل مع الأصول الاستثمارية؛ فالبيع ينقل ملكية الرقبة والمنفعة بشكل دائم إلى المشتري، بينما يمنح حق الانتفاع المستثمر حق استغلال الأصل لفترة محددة مع احتفاظ الدولة بملكية الأصل، أما التخصيص فهو إجراء إداري تمهيدي يربط استغلال الأرض بمدى جدية المستثمر في تنفيذ المشروع.
وأضاف أبو المجد أن انتقال الملكية إلى المستثمر الأجنبي لا يتم بمجرد توقيع العقد أو سداد الثمن، وإنما يظل معلقًا حتى استكمال إجراءات التسجيل الرسمي في الشهر العقاري، بعد استيفاء الشروط القانونية وإتمام الإجراءات المطلوبة.
كما رأى أبو المجد أن التعديلات الأخيرة على قانون الأراضي الصحراوية لم تصمم لتحقيق مصلحة المستثمر الأجنبي على حساب الدولة، وإنما تهدف إلى تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات والحفاظ على اعتبارات الأمن القومي، موضحًا أن التعديل الأخير أزال بعض القيود التي كانت تحد من دخول الاستثمارات الأجنبية، من بينها شرط الحد الأقصى لمساهمة الأجانب في بعض الشركات المالكة للأراضي الصحراوية المخصصة للمشروعات الاستثمارية، لكنه في الوقت ذاته أبقى على القيود الخاصة بالمناطق ذات الطبيعة الاستراتيجية، مثل شبه جزيرة سيناء والمناطق الحدودية، حيث يظل التعامل فيها مقصورًا على حق الانتفاع ووفقًا لموافقة الجهات المختصة.
وأكد أبو المجد أن هناك خلطًا شائعًا بين بعض المفاهيم المتعلقة بالتراث والأثر، حيث إن الأثر الخاضع لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 يعتبر من الأموال العامة، ولا يمكن بيعه أو التصرف فيه أو تمليكه لأي شخص، سواء كان مصريًا أو أجنبيًا، بينما المبنى التراثي الخاضع لقانون الحفاظ على التراث المعماري رقم 144 لسنة 2006 قد يكون مملوكًا للأفراد، ويجوز من حيث الأصل التصرف فيه مع استمرار القيود القانونية التي تمنع هدمه أو تغيير طابعه المعماري.
وأضاف أبو المجد أن العقار العادي يخضع للقواعد المنظمة لتملك الأجانب الواردة في قانون رقم 230 لسنة 1996، والتي تضع عددًا من الضوابط، من بينها عدم تملك أكثر من عقارين، وألا تزيد مساحة العقار الواحد على 4000 متر مربع، وأن يكون الغرض من التملك السكن، مع حظر التصرف فيه قبل انقضاء خمسة أعوام من تاريخ التسجيل، فضلًا عن الالتزام ببعض الشروط الخاصة بالأراضي الفضاء.
كما أشار أبو المجد إلى أن المبنى الذي يتمتع بقيمة تاريخية أو معمارية، لكنه لم يُسجل رسميًا ضمن قوائم الآثار أو المباني التراثية، يعامل من الناحية القانونية معاملة العقار العادي، وهو ما قد يتيح التصرف فيه وفقًا للقواعد العامة، مشيرًا إلى أن الجهات المختصة تملك، في بعض الحالات، اتخاذ إجراءات لحماية هذه المباني، سواء من خلال إدراجها في قوائم الحصر أو فرض اشتراطات تعاقدية تلزم المستثمر بالحفاظ على الطابع المعماري للمبنى، مع إمكانية النص على فسخ التعاقد في حال الإخلال بهذه الالتزامات.
وأكد أحمد أبو المجد أن المنظومة التشريعية تحتاج إلى تطوير يتواكب مع التوسع في جذب الاستثمارات، مقترحًا مسارين رئيسيين؛ الأول تشديد العقوبات على من يتعمد إهمال المباني التراثية بما يؤدي إلى تدهورها أو هدمها، والثاني وضع حوافز تشريعية تشجع المستثمرين على إعادة توظيف المباني التاريخية بما يحافظ على قيمتها المعمارية والثقافية، وفي الوقت ذاته يحقق عائدًا اقتصاديًا للدولة.