أحمد منتصر
لم تكن منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام مجرد مكان لإلقاء الخطب الرسمية، بل مسرحًا يشاهده العالم بأكمله!
ففي نيويورك، وقف أبرز اللاعبين في أحداث الشرق الأوسط، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وكل منهما يحمل إلى المنصة رواية مختلفة عن الحرب والقوة والدبلوماسية.
لكن خلف الكلمات الحادة والرسائل السياسية، ظهرت مفارقة تستحق التوقف أمامها: كلما ارتفعت نبرة المواجهة فوق منصة الأمم المتحدة، بدا أن باب التفاوض خلف الكواليس لا يزال مفتوحًا.
ترامب هدد إيران، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن إمكانية التوصل إلى اتفاق.
بزشكيان رفض الاستسلام، لكنه لم يغلق باب الدبلوماسية
وهنا ربما تكمن القصة الحقيقية لخطابات هذا العام: ليست مجرد خطابات عن الحرب، وإنما رسائل تفاوضية تُقال أمام العالم.
ترامب.. القوة أولًا ثم التفاوض
دخل دونالد ترامب قاعة الجمعية العامة وهو يحمل معه واحدة من أكثر أوراق السياسة الخارجية الأمريكية حساسية: الحرب مع إيران.
الولايات المتحدة، وفق الصورة التي قدمها ترامب، تملك القوة اللازمة لفرض ما تراه ضروريًا، وإذا لم تؤدِّ الضغوط إلى اتفاق، فإن خيار التصعيد يبقى مطروحًا.
وفي خطابه، ذهب ترامب إلى التلويح بإمكانية «إبادة» الجمهورية الإسلامية الإيرانية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، في الوقت الذي تحدث فيه عن إمكانية الوصول إلى تسوية عبر التفاوض. وكان واضحًا هذا التداخل بين لغة التهديد ولغة الدبلوماسية في الخطاب الأمريكي.
لكن ترامب لم يكن يخاطب الإيرانيين وحدهم، فالخطاب تضمن مساحة واسعة لقضايا داخلية واقتصادية وسياسية، بما يعكس طبيعة ترامب في التعامل مع المنصة الدولية باعتبارها أيضًا مسرحًا للسياسة الداخلية الأمريكية.
القوة الخارجية جزء من الرواية الداخلية للقوة الأمريكية
وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية لخطاب الرئيس الأمريكي: القوة الخارجية جزء من الرواية الداخلية عن قوة الولايات المتحدة.
بالنسبة إلى ترامب، الضغط على إيران ليس مجرد ملف دبلوماسي؛ إنه أيضًا اختبار لفكرة أوسع: هل تستطيع القوة الأمريكية أن تجبر خصمًا إقليميًا على قبول الشروط التي تضعها واشنطن؟
وهنا تحديدًا بدأت الصورة تصبح أكثر تعقيدًا.
بزشكيان.. عندما تغيّر الخطاب بعد خطاب ترامب!
جاء خطاب مسعود بزشكيان في اليوم التالي، وكأنه الرد الإيراني المباشر على رسالة ترامب.
لكن اللافت هنا ليس مضمون الخطاب فقط، وإنما الطريقة التي تشكل بها.
بحسب ما ذكرته CNN، كان خطاب بزشكيان معدًا مسبقًا قبل أن يلقي ترامب كلمته، إلا أن الرئيس الإيراني واجه واقعًا جديدًا بعد خطاب الرئيس الأمريكي، واضطر إلى تعديل رسالته بما يتلاءم مع ما سمعه في اليوم السابق.
وهذه النقطة تستحق الانتباه، فبزشكيان لم يرد على ترامب بتكرار الخطاب الإيراني التقليدي فحسب، وإنما بدا أنه أعاد رسم الرسالة في ضوء ما طرحه الرئيس الأمريكي: إيران مستعدة للحوار، لكنها لن تتفاوض تحت لغة التهديد أو من موقع الاستسلام.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات خطاب بزشكيان، فالرئيس الإيراني لم يغلق الباب أمام الدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه رفض أن تكون الدبلوماسية مرادفًا للخضوع.
«لن نستسلم» كانت الرسالة الأساسية التي حملها إلى الجمعية العامة.
وفي المقابل، أكد أن بلاده لا تزال تؤمن بإمكانية اللجوء إلى الحوار لإنهاء الصراع.
بمعنى آخر، حاول بزشكيان أن يرسم خيارًا ثالثًا بين ما طرحه ترامب:
لا حرب بلا نهاية، ولا استسلام تحت التهديد؛ وإنما تفاوض مع الحفاظ على السيادة.
وهنا تحديدًا يمكن فهم كلمة «الصلابة» في الموقف الإيراني. فالصّلابة هنا ليست مرادفًا للانتصار، كما أن التفاوض ليس مرادفًا للتراجع. وهذه نقطة فارقة. إنها ببساطة محاولة لإدارة ميزان القوة قبل الجلوس إلى الطاولة.
الضغط العسكري لم يدفع إيران إلى الاستسلام
لكن ما أظهرته التطورات حتى الآن هو أن الضغط العسكري لم يدفع طهران إلى خطاب استسلام، على العكس، أظهر الموقف الإيراني قدرًا من المرونة السياسية أكبر مما كان يمكن أن توحي به استراتيجية الضغط الأقصى.
إيران مستعدة للتفاوض، لكنها تريد أن تدخل المباحثات وهي قادرة على القول إنها لم تُجبر عليها.
وهو ما قاله الرئيس الإيراني: «نعم للتفاوض، لا للإملاء».
فطهران لم تقدم نفسها كطرف يريد الحرب إلى ما لا نهاية، لكنها في الوقت نفسه رفضت السماح للضغط العسكري بأن يتحول إلى تعريف مسبق لنتيجة المفاوضات.
المقصود ليس أن إيران انتصرت في الحرب، أو أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها؛ فمثل هذه الأحكام تحتاج إلى تقييم شامل للنتائج العسكرية والسياسية والاقتصادية للصراع.
وبحسب رويترز، فإن بزشكيان أكد أن إيران لن تستسلم، مع تمسكه بإمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية لإنهاء الصراع.
والأهم أن هذه الرسالة جاءت بعد خطاب أمريكي شديد اللهجة. أي أن بزشكيان لم يكن يخاطب واشنطن من فراغ؛ بل كان يرد على سقف عالٍ وضعه ترامب قبل يوم.
وهنا يمكن قراءة الخطابين باعتبارهما بداية مفاوضات غير مباشرة أمام الكاميرات.
ترامب يرفع سقف الضغط، وبزشكيان يرفع سقف ما يمكن لطهران أن تقبله، وبين السقفين تتحرك الدبلوماسية.
لماذا مضيق هرمز حاضر في كل حسابات الحرب؟
لم يكن حديث بزشكيان عن مضيق هرمز تفصيلًا عابرًا، فالمضيق يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبره يمكن أن يتجاوز حدود الصراع الإيراني – الأمريكي ليؤثر في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن الحديث عن هرمز هو في الوقت نفسه حديث عن ورقة ضغط إيرانية، وعن مصلحة دولية في إنهاء الحرب.
وتكشف التحركات الدبلوماسية التي جرت بالتزامن مع اجتماعات الأمم المتحدة أن هذا العامل أصبح جزءًا من حسابات التسوية. فبينما استمرت التصريحات المتشددة، استمرت الاتصالات بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين.
وهنا تظهر مرة أخرى الفجوة بين الخطاب العلني وما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
وهكذا تتحول منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مسرح واحد، لكن بجماهير مختلفة.