في الوقت الذي تسجّل فيه بلاغات وشكاوى بيئية مرتبطة بالأنشطة الصناعية عبر القنوات الرسمية بشكل متكرر، وتنعكس فيه آثار التلوث على صحة السكان في المناطق القريبة من المصانع وجودة الهواء والمياه في بعض المناطق، تتجه السياسات التنظيمية إلى تقليل بعض اشتراطات التقييم البيئي المسبق عند تغيير النشاط داخل المصانع، ما يفتح سؤالًا مباشرًا حول مدى حماية المواطن قبل بدء تشغيل النشاط لا بعد ظهور أثره.
قرار الهيئة العامة للتنمية الصناعية بالسماح للمصانع بتغيير نشاطها داخل القطاع نفسه دون اشتراط الحصول على موافقات بيئية مسبقة، يأتي بينما تشير التقديرات إلى وجود عشرات الآلاف من المنشآت الصناعية في مصر، تتفاوت في طبيعة أنشطتها وحجم تأثيرها البيئي.
داخل هذا الرقم الكبير، لا يعني الانتماء إلى “قطاع صناعي واحد” بالضرورة تشابه الأثر البيئي، فالفارق بين نشاط وآخر داخل نفس القطاع قد يمتد من عمليات محدودة الانبعاثات إلى أنشطة تنتج مخلفات خطرة أو انبعاثات كثيفة، وهو ما يجعل التصنيف الإداري غير كافٍ لتقدير التأثير البيئي بدقة.
في هذا السياق، تطرح التيسيرات الجديدة معادلة مختلفة، تقليل الزمن اللازم للإجراءات مقابل تأجيل التقييم البيئي إلى ما بعد التشغيل الفعلي، بمعنى آخر، يصبح المصنع نقطة البداية لاكتشاف الأثر، لا منعه.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن تلوث الهواء في القاهرة الكبرى يعد من بين الأعلى في المنطقة من حيث التأثير الصحي والتكلفة الاقتصادية والصحية التي تقدر بمليارات الدولارات سنويًا.
كما توضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن التعرض المستمر لمستويات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة في الهواء يرتبط بزيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب، وهي مؤشرات تسجل حضورًا ملحوظًا في البيئات الحضرية والصناعية.
على المستوى المحلي، يستقبل جهاز شؤون البيئة سنويًا آلاف الشكاوى المرتبطة بالتلوث، تتنوع بين انبعاثات هواء وروائح وصرف صناعي، وهو ما يعكس وجود ضغط بيئي قائم لم تحسم تحدياته بالكامل.
في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال حول توقيت الرقابة أكثر إلحاحًا، هل يكتشف الضرر قبل حدوثه، أم بعد أن يصبح واقعًا؟
المهندس حسام محرم، المتخصص في الصناعة والبيئة، يشير إلى أن “تبسيط الإجراءات لا يجب أن يأتي على حساب التقييم الفني الدقيق”، موضحًا أن الاختلافات داخل القطاع الواحد قد تكون جوهرية من حيث نوعية الانبعاثات والمخلفات، وهو ما يجعل التقييم المسبق أداة وقاية أساسية.
ويضيف أن الاعتماد على الرقابة اللاحقة وحدها يرفع من تكلفة المعالجة ويزيد من التعقيد القانوني، سواء للدولة أو للمنشآت الصناعية، خاصة في حال ثبوت وجود أضرار بيئية بعد بدء التشغيل.
لكن محاولة الحصول على تفسير رسمي لآليات الرقابة البديلة لم تسفر عن إجابات واضحة، عدد من مسؤولي وزارة البيئة رفضوا التعليق دون تصاريح مسبقة، فيما تجنب آخرون تقديم شرح تفصيلي، مكتفين بالإحالة إلى جهات أخرى.
في ملف يرتبط مباشرة بصحة المواطنين وجودة البيئة، يبدو غياب التوضيح الرسمي جزءًا من المشهد، لا تفصيلًا هامشيًا فيه.
ولا يتوقف تأثير هذه التغييرات عند الداخل فقط، فمنذ استضافة مصر لمؤتمر المناخ COP27، تصاعدت الضغوط الدولية لربط الإنتاج الصناعي بالمعايير البيئية، خاصة ما يتعلق بالبصمة الكربونية.
الأسواق الأوروبية، على وجه الخصوص، باتت تشترط توافق المنتجات مع معايير بيئية محددة كمدخل أساسي للتصدير، ما يضع أي تباين في تطبيق هذه المعايير محليًا تحت اختبار مباشر في الخارج.
