قبل شهر تقريباً، ومع موجة التفاعل التي سببها منشور على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد المرشح الرئاسي السابق والقيادي الوطني والزعيم الناصري حمدين صباحي، تجددت التساؤلات وأحياناً الانتقادات ضمن تلك التفاعلات لقرار ترشح صباحي في الانتخابات الرئاسية عام 2014، لكن الملفت كان أن بعض التفاصيل الجوهرية والأساسية وراء ذلك القرار بدت غائبة عن كثيرين، والبعض منهم من دوائر سياسية قريبة من صباحي، وفي ذلك السياق جاءت شهادة الكاتب الصحفي أحمد طه النقر، والتي تلتها شهادات أخرى لبعض من عاصروا التجربة عن قرب، ثم جاء مؤخراً مقال المخرج والفنان خالد يوسف حول شهادته لما جرى في حينها.
لا أدعي أن سطور هذا المقال تكشف أسراراً أو خبايا لم تكن معلومة أو معلنة، في الحد الأدنى للدوائر المحيطة بصباحي وتجربته، وربما على العكس فمع مراجعتي لما كان منشوراً ومعلناً سواء في بيانات رسمية أو صحفية أو حوارات إعلامية أو مؤتمرات صحفية أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي فإن أغلب ما يرد في هذا المقال سبق نشره بالفعل من أطراف مختلفة وفي توقيتات مختلفة، وبما في ذلك من صباحي نفسه، ومع ذلك ظلت بعض الأطراف تردد وتروج أن الترشح في هذه الانتخابات كان طموحاً من صباحي في السلطة (رغم أن ذلك في أصل الأمور لا يدينه ولا يدين أي سياسي يطرح نفسه كبديل صاحب رؤية وبرنامج وطالما كان السبيل إلى ذلك مشروعاً عبر أصوات الناس) أو أنه شارك باتفاق ليلعب دوراً محدداً في مشهد محدد مسبقاً (وهو ما لا يزال البعض يروج له رغم نفي كل الوقائع والحقائق في حينها وحتى الآن له) .. ومع ذلك فإن هذا المقال لا يهدف إلى تغيير وجهات نظر إزاء قرار ترشح صباحي في 2014 وتجربة الانتخابات الرئاسية في حينها، فذلك الاختلاف كان ولا يزال وربما يستمر قائماً وهو صحي ومقبول طالما كان في إطار اختلاف التقديرات السياسية ولا يمتد لترويج تفسيرات كاذبة أو يروج لروايات مضللة أو يخترع أكاذيب لم تحدث، فضلاً عن أن المقال لا يهدف للدفاع عن صباحي الذي لا يوجد في واقع الأمر ما يشينه في تلك التجربة ليستحق دفاعاً عنه. لكن أولاً، وهو الأهم، فهناك حقائق وسياقات غائبة عن روايتها وتوثيقها منذ ثورة يناير 2011 وما بعدها، ولعل هذا المقال يأتي في سياق أشمل وأوسع يتعلق باجتهادات ونقاشات يجري الإعداد والتحضير لها بين بعض المنتمين لثورة 25 يناير حول رواية وتوثيق تجربتهم وما عاصروه من أحداث وتقييمهم وقراءتهم وبما في ذلك من نقد ذاتي واجب ومستحق، وثانياً لأن كاتب هذه السطور يعتبر نفسه واحداً ممن ساهموا بشكل رئيسي في الدفع باتجاه قرار ترشح صباحي ويزعم اطلاعه على كثير من الأحداث والتفاصيل التي جرت وانتهت لخوض تلك التجربة.
(1)
بعد شهور قليلة من ثورة 30 يونيو 2013، وبعد تشكيل حكومة د. حازم الببلاوي، ثم لجنة الخمسين لتعديل الدستور في مطلع سبتمبر 2013، بدا أن مسار خارطة الطريق يسير في طريقه المقرر، ورغم ملاحظات وتحفظات واختلافات عديدة مع أداء السلطة الانتقالية في حينها تالية على إعلان خارطة الطريق، ومنذ وقت مبكر في واقع الأمر، مما دعا مجموعات سياسية وشبابية في حينها لبدء التفكير المبكر في ضرورة الاستعداد للاستحقاقات التالية في خارطة الطريق، وكان أولها نصوص الدستور ثم الاستفتاء عليه، وبعدها الاستعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية التالية، وقد كان جزءاً من تفكير تلك المجموعات في حينها، أن تتفادى أخطاء ما جرى بعد ثورة يناير، من الانخراط في معارك منهكة ومجهدة دون الاستعداد لاستحقاقات أساسية وضرورية تنهي وتقلل مدة الفترة الانتقالية وتنتقل إلى مرحلة جديدة.
في ذلك السياق، وبالتزامن مع إعلان تشكيل لجنة الخمسين، بدأت سلسلة من الحوارات المتتالية بين ممثلي قوى شبابية وسياسية حول بعض الملفات مثل الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية، ومستقبل جبهة الإنقاذ كإطار جبهوي يجمع أغلب القوى السياسية، ومن هنا بدأت المداولات والنقاشات حول المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية التالية.
تلك الاجتماعات التي كان بعضها في ذلك الحين بمقرات الأحزاب والقوى السياسية ومن بينها مقر التيار الشعبي المصري وبعضها أيضاً بمركز إعداد القادة الذي كان يرأسه في ذلك الحين م. يحيى حسين عبد الهادي – فرّج الله كربه ورده لأهله وأحبائه سالماً في أقرب حين – وكانت من بين المقترحات التي تمت مناقشتها خلال تلك الاجتماعات ما يتعلق بفكرة أن تكون الانتخابات الرئاسية أولاً قبل الانتخابات البرلمانية، أولاً لسرعة الانتهاء من المرحلة الانتقالية ونقل السلطة لرئيس منتخب، وثانياً لمنح وقت أطول وأناسب للقوى السياسية للاستعداد للانتخابات البرلمانية. وهي فكرة أخذت مساحة من النقاش وكانت الآراء ووجهات النظر بخصوصها متفاوتة، لكنها أيضاً طرحت من جانب بعض الأطراف التي انحازت لها خلال عدد من الاجتماعات التي أجراها في ذلك الحين المستشار عدلي منصور مع القوى السياسية والشبابية وذلك خلال شهري سبتمبر وديسمبر 2013.
وبالتزامن مع تلك الاجتماعات وبدء طرح تلك الفكرة، بدأ التداول حول الأسماء المحتمل ترشحها للانتخابات الرئاسية، وفي ذلك الحين كان لا يزال الانطباع السائد فيما هو معلن، رغم بدء بروز دعوات معلنة من بعض الشخصيات والقوى لترشح وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، أن الرجل لن يترشح للانتخابات، وبالتالي فقد كان التفكير الجماعي في التشاور بين ممثلي القوى الشبابية والسياسية في تلك الاجتماعات متجهاً لأهمية أن تتوافق قوى الثورة مبكراً على مرشح واحد لها تجنباً لتكرار ما حدث في انتخابات 2012.
ومن هنا جاءت أول مبادرة عملية بتشكيل (حملة مرشح الثورة) التي بادر مؤسسوها بشكل مستقل لإعلانها، والسعي لعقد مجموعة اجتماعات وجلسات مع الأسماء المحتملة للترشح من صفوف قوى الثورة وكان أبرزهم في حينه حمدين صباحي وخالد علي.
(2)
داخل التيار الشعبي واجتماعات مجلس أمنائه ومكتبه التنفيذي، بدأت النقاشات حول فكرة ترشح صباحي للانتخابات الرئاسية، لكن كان هناك اتجاه يرى أن الوقت لا يزال مبكراً لمناقشة الأمر أو على الأقل حسمه خاصة وأنه كان لا يزال هناك إطار جبهوي هو جبهة الإنقاذ يجب السعي لأن يتبنى فكرة طرح مرشح واحد، واتجاه آخر يرى ضرورة أن تبدأ مناقشات جادة لأن الدوائر المحيطة بدأت بالفعل في نقاشات حول الاستعداد للانتخابات الرئاسية، وأن دور جبهة الإنقاذ كان عملياً قد انتهى برحيل سلطة الإخوان وأنه على الأرجح سواء كانت الانتخابات البرلمانية أولاً أو الانتخابات الرئاسية فإنها لن تتمكن من التوافق على قوائم موحدة للبرلمان أو مرشح واحد للرئاسة، وكان الاتفاق المبدئي في حينه أن المناقشة الرسمية لذلك الأمر قد يكون التوقيت الأنسب لها هو ما بعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية وتم الاتفاق بالفعل على ذلك في حينه، دون أن يعني ذلك توقف النقاشات المستمرة والمتواصلة داخل إطار التيار الشعبي وبينه وبين القوى الشبابية والسياسية الأخرى.
في النقاشات الجانبية داخل التيار الشعبي، كان هناك حماس واضح بين شبابه وعدد من قياداته لفكرة ترشيح صباحي، بينما كان هناك تمهل من جانب بعض قيادات التيار وبعض أعضاء مجلس أمنائه في الميل لذلك الاتجاه لأسباب متعددة من وجهة نظرهم، أما صباحي نفسه فكان رأيه واضحاً عند بداية تلك النقاشات، أنه مستعد لخوض الانتخابات كما أنه مستعد بنفس الدرجة لعدم خوضها في حال وجود مرشح آخر يتم التوافق عليه بين قوى الثورة ويقدم برنامجاً يعبر عن أهداف وشعارات يناير ويونيو.
لكن حسم القرار في ذلك الوقت المبكر لم يكن ممكناً، أولاً لاعتبارات تتعلق بالوضع العام الذي لم يكن مستقراً بشكل كامل بعد، ومتابعة التفاعلات والأحداث المتسارعة التي كانت تجري في البلاد وفي ظل سلطة انتقالية وحكومة جمعت بين ممثلي الدولة بمعناها التقليدي والعميق وممثلي قوى الثورة، ولجنة الخمسين التي كانت تمارس أعمالها في إعداد التعديلات الدستورية وتشكيلها يجسد نفس منطق الشراكة بين قوى الدولة وقوى الثورة. وكانت هذه الفكرة هي الفكرة الجاذبة والدافعة لصباحي شخصياً في ذلك التوقيت، فمن ناحية كان يرى أن ما جرى بعد 25 يناير و30 يونيو فرصة لاختبار فكرة شراكة الدولة والثورة والبحث عن مساحات للتوافق والبناء عليها وصولاً لاتفاق واسع حول برنامج يحقق أهداف يناير ويونيو. لكن هذه الشراكة المحتملة تعرضت لعدة اختبارات هزت مساحات الثقة في إمكانية نجاحها مبكراً.
(3)
في بدايات سبتمبر 2013 التقى حمدين صباحي بوزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وذلك قبل يوم واحد من أحد اجتماعات مجلس الوزراء، وكان الغرض الرئيسي من ذلك اللقاء طرح بعض مقترحات ورؤى التيار الشعبي وزعيمه صباحي للوضع في ذلك الوقت، والتي سبق طرحها بالفعل عبر قنوات متعددة من خلال اللقاءات والاجتماعات المتعددة والمكثفة التي كانت تجري في تلك المرحلة سواء مع الرئيس المؤقت عدلي منصور أو مستشاريه أو رئيس الحكومة د. حازم الببلاوي، لكن هذه المرة كان اللقاء مع الرجل الأقوى في الدولة والحكومة وصاحب الشعبية الجارفة التي لا تخطئها عين بعد دوره في الانحياز لثورة 30 يونيو ومواجهة سلطة الإخوان، وفي خلفية هذا اللقاء الفكرة التي انحاز لها صباحي بالشراكة بين الدولة وقوى الثورة، وفي ذلك اللقاء طرح صباحي مقترحات ذات صلة بالملفات الاجتماعية والاقتصادية لتكون جزءاً من تحقيق طموحات وأحلام المصريين في أن تعود عليهم الثورة بمكتسبات حقيقية بما يقوي توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة محاولات الإخوان تشويه ما جرى في 30 يونيو وإفساد المرحلة الانتقالية، وكان أبرز ما طرحه صباحي في ذلك اللقاء أهمية إقرار الحكومة المطلب المتواصل بحد أدنى للأجور.
كما أشار صباحي أثناء ذلك اللقاء إلى نيته خوض الانتخابات الرئاسية، مع استعداده لعدم الترشح في حال تقدم مرشح آخر محل توافق وطني يحمل برنامجاً يحقق أهداف الثورة، وهو نفس ما كان قد أعلنه من قبل في تصريحات ولقاءات متعددة ومنشورة. لم يكن الغرض بحثاً عن اتفاقات مبكرة أو تأييد مسبق أو ما شابه مما قد يرد في أذهان البعض، وإنما كان بوضوح تجديداً لموقف معلن مسبقاً يؤكد أن الأولوية ليست لاسم من يترشح وإنما للرؤية التي سيقدمها والبرنامج الذي سيتبناه.
خرج صباحي بانطباعات إيجابية من هذا اللقاء حسب ما أبلغ به الدوائر المقربة منه، تأكدت وتعمقت لديه بعد إصدار حكومة الببلاوي لقرار الحد الأدنى للأجور والذي أكد عدد من أعضاء مجلس الوزراء حينها أن السيسي لعب دوراً رئيسياً فيه. وهو ما أعلنه وصرح به صباحي بنفسه في لقاءات تليفزيونية بعدها بشهور قليلة كشف خلالها تفاصيل ما دار في ذلك اللقاء.
(4)
في أكتوبر 2013 نشر الصحفي الكبير ياسر رزق – رحمه الله – أول حوار صحفي مطول مع السيسي، وفي الجزء الثالث من ذلك الحوار أجاب وزير الدفاع في حينها عن سؤال مباشر حول ترشحه للرئاسة مع تصاعد الدعوات لذلك، قائلاً وفقاً لنص الحوار (إن الوقت غير مناسب الآن لطرح هذا السؤال، في ظل ما تمر به البلاد من تحديات ومخاطر تتطلب منا جميعاً عدم تشتيت الانتباه والجهود بعيداً عن إنجاز خطوات خارطة المستقبل التي سيترتب عليها واقع جديد يصعب تقديره الآن .. والله غالب على أمره).
كانت هذه المرة الأولى التي يجيب فيها السيسي عن سؤال متعلق بتلك المسألة، وهي الإجابة التي أتت لتفتح الباب واسعاً للتكهنات والاحتمالات عكس ما كان سائداً من انطباعات قبلها.
وفي نوفمبر 2013، ومع اقتراب لجنة الخمسين من الانتهاء من أعمالها، جرى حدثان كبيران، الأول كان صدور قانون التظاهر الذي أصدره المستشار عدلي منصور، والذي جرى دون تشاور كافٍ مع أغلب القوى السياسية وكان محل اعتراض من أغلبها، والثاني كان إقرار لجنة الخمسين لمادة تتعلق بالمحاكمات العسكرية للمدنيين مما أثار اعتراضات من عدد من القوى الشبابية والسياسية وقتها بالإضافة لاعتراضهم على قانون التظاهر فقرروا تنظيم وقفة سلمية أمام مقر انعقاد لجنة الخمسين بمجلس الشورى، وهي الوقفة التي تعرضت لقمع أمني وإلقاء القبض على عدد من المشاركين فيها، وكانت تلك الواقعة الأولى تقريباً التي شهدت صداماً مباشراً في الشارع بين قوات الأمن وشباب منتمي للقوى الثورية والمدنية، مما تسبب في أزمة واحتقان، والمفارقة أن ذلك حدث في نفس اليوم الذي كان رئيس الوزراء د. حازم الببلاوي قد دعا فيه عدداً من الشخصيات السياسية وممثلي القوى السياسية والشبابية للاجتماع معهم لمناقشة الوضع القائم في البلاد.
وبتراكم الحوادث التي جرت على مدار الشهور السابقة وصولاً إلى تلك المحطة، بدأ إحساس متزايد لدى قطاعات من شباب القوى السياسية والثورية أن العجلة تعود للوراء، وأن الأمور لا تسير وفقاً لما كانوا يأملونه، وأن سيناريوهات التضييق والتقييد تتصاعد ومحاولات تهميش القوى السياسية تتسارع، وتزامن ذلك مع محاولات الدفع باتجاه ترشح السيسي وبروز وجوه النظام الأسبق في تلك الدعوات بشكل مكثف والتجاوب معها وبما يمثله ذلك من احتمالات راجحة بفوزه في الانتخابات حال ترشحه قد تعني أننا نبتعد خطوات جديدة عن فكرة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة خاصة أن تلك الحملات كانت تدار على طريقة أجواء المبايعة لرئيس جديد للبلاد دون تصور واضح لكيفية إدارة الدولة بما يحقق أهداف يناير ويونيو، وفي ظل بعض الملامح التي بدأت تلقي بظلال الماضي على الحاضر والمستقبل.
(5)
كانت حملة مرشح الثورة لا تزال تقطع شوطاً في النقاشات التي تجريها مع دوائر وأطراف مختلفة، كما كانت قواعد التيار الشعبي تميل لوضوح وحسم موقف صباحي من الترشح للانتخابات الرئاسية مع مرور الوقت، وبدأ تزايد الاحتمالات لترشح السيسي يضغط على ضرورة وضوح موقف التيار الشعبي والقوى الثورية من ذلك، خاصة في ظل انقسام واضح بين قطاع كبير من النخب وقادة بعض الأحزاب السياسية من ناحية والتي كانت أميل لترشح السيسي ودعمه وبين شباب القوى السياسية والثورية من ناحية أخرى والتي كان الكثير منها مع تقديم مرشح باسم قوى الثورة بينما كان بعضها يرى أن المناخ كله لا يبدو مناسباً باتجاه إجراء انتخابات رئاسية تنافسية حقيقية حال ترشح السيسي وبالتالي كان موقفها أميل لمقاطعة الانتخابات في تلك الحالة.
أما صباحي نفسه، فقد كان لم يحسم قراره حتى تلك اللحظة، وإن كان بدأ يميل أكثر لعدم خوض الانتخابات حال ترشح السيسي، لا خشية المنافسة الانتخابية، ولا رفضاً للمنطق الذي طرحه الكثير من شباب القوى الثورية وفي قلبهم شباب التيار الشعبي الذي أسسه صباحي، وإنما لسببين جوهريين من وجهة نظره، أولهما شعوره أن الإحساس الشعبي العام ينحاز لترشيح السيسي وانتخابه لأسباب متعددة ومفهومة، وهو – صباحي – اعتاد دائماً وعلى مدار تاريخه (بغض النظر عن الاتفاق مع ذلك من عدمه) وبتعبيره (ألا يخاصم وجدان الناس) وألا يبدو واقفاً في مسار عكس اتجاه الشعب، وثانيهما قلقه وخشيته وفي ظل الأجواء المجتمعية والسياسية والإعلامية التي كانت سائدة في تلك المرحلة ألا يكون الأمر خوضه لانتخابات تنافسية حتى وإن شابها ما هو متوقع وإنما معركة حدية تنجر لمواجهات قد تصل إلى الشارع أو التظاهر أو ما شابه، وبما قد يمثله ذلك من مخاطر وخسائر محتملة، فضلاً عن احتمالات توظيف الإخوان لذلك إن جرى.
لكن تطورات الأوضاع والأحداث في ذلك الحين، كانت تدفع بالمشاورات والنقاشات باتجاه الضغط لحسم قرار واضح بخصوص الانتخابات الرئاسية، ودون انتظار لما كان ينتظره أغلب المتمهلين وهو وضوح موقف السيسي في الترشح من عدمه، وقد كان الغالب من المتعجلين لحسم القرار من الشباب الذين كان توجههم المؤكد هو دعم مرشح سياسي من بين قوى الثورة ومعبراً عنها وبالتالي لم يكن لديهم رهان أو توجه لتأييد أو دعم السيسي في حال ترشحه، بل وكان بعضهم على استعداد لطرح الفكرة على مرشحين محتملين آخرين في حال قرار صباحي النهائي بعدم الترشح رغم محدودية الخيارات المتاحة ممن لديهم استعداد مبدئي لهذه التجربة في ذلك الحين، أما الغالب من المنحازين للتمهل فكان لديهم أسباب متعددة لكن أهمها وأبرزها وضوح موقف الفريق أول السيسي فقد كان لديهم رهان أن الرجل الذي انحاز لموقف الشعب من سلطة الإخوان وبما يحظى به من شعبية وجماهيرية يستحق فرصة ليكون هو نفسه الرجل الذي ينحاز لأهداف وشعارات الثورة ويسعى عبر وجوده في السلطة لتحقيقها، كما كان لدى البعض أمل يداعبهم أن يكون الرجل ناصراً جديداً خاصة في ظل بعض المساحات التي كانت تروج بالفعل لمداعبة ذلك التصور.
ومع انتهاء لجنة الخمسين من إعداد التعديلات الدستورية في مطلع ديسمبر 2013 وتسليمها للرئيس المؤقت عدلي منصور، والدعوة للاستفتاء عليها في منتصف يناير، بدأت القوى السياسية تحشد صفوفها للاستفتاء وتدعو المواطنين للتصويت بـ(نعم)، ورغم بعض التحفظات التي أعلنتها بعض القوى السياسية ومن بينها التيار الشعبي على بعض النصوص، إلا أن الموقف العام من نصوص الدستور كان إيجابياً، كما كانت هناك رغبة مؤكدة في الانتهاء من تلك المرحلة والانتقال للمراحل التالية من خارطة طريق المرحلة الانتقالية، خاصة أن أغلب نصوص الدستور كانت تحقق بالفعل نقلة جادة وهامة وتنحاز في مجملها – باستثناءات محدودة – للحريات وبناء نظام ديمقراطي وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وفي الوقت نفسه، بدأ تكثيف المشاورات داخل صفوف التيار الشعبي، وبين شبابه وشباب قوى سياسية وثورية متعددة، لحسم الموقف من ترشح صباحي