بين فتح ملف (الانتقال الديمقراطي في مصر) الذي بادر إليه مؤخراً موقع “القصة” بعد نشره مقال الفنان والمخرج الكبير خالد يوسف، الذي قدم فيه رؤيته لمأزق مصر السياسي تاريخياً ما بين ثنائية نظام حكم وجماعة دينية يستفيد كل منهما من وجود الآخر بينما تغيب التيارات السياسية المدنية الديمقراطية عن تلك المعادلة، وبين نداء (الفضفضة) الذي أطلقه وزير الإعلام ضياء رشوان إلى الصحفيين والإعلاميين بناءً على دعوة الرئيس السابقة لما اعتبره البعض مؤشراً على قدر من الانفتاح السياسي، وبالتزامن مع دعوات شبه متوقعة تتزايد تدريجياً خلال الشهور القليلة الماضية تبدو أقرب لمجسات النبض السياسية والمجتمعية لاحتمالات تعديلات دستورية جديدة قبل عام 2030، تبدو التساؤلات عن احتمالات مسارات المستقبل في السنوات القليلة المقبلة، وفي ذلك السياق واجبات المهمومين من قوى وشخصيات بمستقبل مصر في ظل كل ما يواجهها من تحديات، وكذلك في ظل تغييب الحياة السياسية بمعناها المفهوم والحقيقي.
هل هناك مؤشرات للانتقال الديمقراطي في مصر؟
رغم أن ذلك يبدو بوابة الطريق لمخرج حقيقي وربما وحيد لمصر من أزماتها الخانقة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والحديث هنا بوضوح عن مجرد بوابة تبدأ مساراً طويلاً وليس حلاً ديمقراطياً سحرياً، إلا أنه وبكل أسف لا يبدو في الأفق أن هناك قناعة جديدة أو مختلفة لدى السلطة بأن الانتقال الديمقراطي بمحتواه ومعناه الحقيقي لا الشكلي أمر مطروح على جدول أعمالها بجدية خلال الفترة المقبلة، ولعل ما جرى على مدار السنوات الماضية يؤكد ذلك؛ فتجربة الحوار الوطني لم تسفر عن استجابة جادة لأي توصيات صدرت عنه، والانتخابات التي جرت لم تختلف كثيراً عن سابقاتها، والتشريعات الجوهرية والمهمة التي كان الرهان على تعديلها كمؤشرات تمثل تحسناً للوضع السياسي لا تزال كما هي أو بعضها تم تعديله للأسوأ أو تفريغ التعديلات من مضمونها، وجوهر السياسات الاقتصادية رغم الاعتراف المتكرر بتسببها في معاناة اجتماعية متزايدة للمواطنين لم تتغير أو تختلف، وحتى الحكومة التي تنفذ ولا تقرر تلك السياسات لا يزال هناك تمسك برأسها وأغلب الفاعلين فيها.
القيود على الحياة السياسية والإعلامية لا تزال كما هي، ولا يزال التصور الحاكم هو السيطرة عليها وإدارتها من السلطة وأجهزتها تجنباً لأي انفلات، وملف سجناء الرأي لا يزال متخماً ويضاف إليه كل فترة المزيد من الأسماء.
ثم أضف إلى كل ذلك خروج ما هو مكتوم ومتوقع منذ فترة من بدء الحديث العلني من بعض الشخصيات عن دعوات لتعديل الدستور، بدعاوى مختلفة، لكن يعلم الجميع أنها إن حدثت سيكون جوهرها هو تعديل مدد وفترات الرئاسة.
وسط هذه المؤشرات، لا يبدو أن الحديث عن انتقال ديمقراطي أو فتح المجال العام بشكل حقيقي أو تفعيل خطوات جادة للإصلاح السياسي أمراً مطروحاً على أجندة السلطة.
لكن هل هو مطروح على أجندة المعارضة؟
ما الدور المطلوب من المعارضة؟
لا يمكن تحميل المعارضة مسؤولية الوضع الراهن وإغفال مسؤولية السلطة الأهم والأكبر والأبرز دون شك، لكن أيضاً لا يمكن إعفاء المعارضة المدنية الديمقراطية تماماً من المسؤولية عن تهميشها وحصارها وتراجع دورها وأثرها ووزنها وأدواتها. صحيح أن حجم ما جرى في السنوات السابقة من حصار وتضييق وملاحقة وإغلاق منابع السياسة كان كبيراً وربما غير مسبوق، لكن أي معارضة طالما تصدت لدورها وواجبها كمعارضة لديها حد أدنى من الواجب والمسؤولية التي تحتاج للنهوض بها.
في مصر فراغ سياسي مؤكد، لم تستطع السلطة أن تملأه بأحزاب وكيانات أنشأتها، ولم تستطع المعارضة بأحزابها وجبهاتها أن تملأه، ومع تغييب السياسة، وإقصاء الناس، وإلهائهم في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، اتسع وتزايد وتمدد هذا الفراغ، حتى صار يمكن لأي أطر أو مبادرات محدودة أن تترك أثراً به.
الخوف كله إذا استمر الوضع كذلك أن يملأ هذا الفراغ بقوى متطرفة، دينية أو غيرها، وأن يؤدي استمرار تغييب السياسة وحصار العمل السياسي المنظم وتقييد الحق في التنظيم إلى انفجارات اجتماعية غير محمودة العواقب.
بلورة وتفعيل التنظيمات السياسية والمجتمعية هو واجب اللحظة، وهو غير ممكن بشكل جاد إلا بمساحة حقيقية وجادة من السلطة وأجهزتها، لا على سبيل المنحة أو التفضل وإنما لفتح رئة للتنفس الحقيقي والصحي للمجتمع بدلاً من انفجارات عشوائية واردة، وتلك المساحة في ذاتها وبحكم تركيبة وعقلية السلطة غير ممكنة إلا بسعي دؤوب من القوى والشخصيات المعارضة وضغط حقيقي ومحاولات جادة في ذلك السبيل.
الحرية ليست منحة، والحق يصبح كذلك عند ممارسته، لكن الأوضاع الراهنة – داخلياً والأهم خارجياً – تستدعي أن يتم ذلك بأقصى درجات العقل والحكمة من جميع الأطراف.
الإعلام والمحليات .. هل تكون دعوة الرئيس بداية لانفتاح سياسي؟
في بدايات يوليو الماضي أطلق الرئيس دعوة شملت توجيهاً للحكومة من عدة بنود كان أبرزها فيما يتعلق بالإعلام (فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، الذي يشمل الرأي والرأي الآخر) وتكليف وزير الإعلام بعقد اجتماع سنوي لتطوير الإعلام، وفيما يتعلق بالحياة السياسية (تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية) ..
كلا الملفين ليست تلك المرة الأولى التي يتحدث عنهما الرئيس، وكلا الملفين أيضاً سبق نقاش تفاصيل عديدة بخصوصهما وتقديم توصيات حولهما في جلسات الحوار الوطني.
مؤخراً جاء نداء وزير الإعلام ضياء رشوان الموجه للصحفيين والإعلاميين والذي سماه بـ (الفضفضة) وتضمن أيضاً عدة بنود أهمها أن يبدأ فتح الباب صحفياً وإعلامياً أمام من يكتبون ويتحدثون في قضايا الشأن العام المصري من مختلف الآراء، وكذلك فتح المساحات الصحفية والإعلامية لتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر والاستعداد لإجراء انتخابات المحليات بما يشمل جميع الآراء من الممارسين والمتخصصين.
بالتأكيد ستكشف الأيام والأسابيع المقبلة مدى الجدية في تعبير تلك الدعوات عن انفتاح إعلامي وسياسي حقيقي دون القيود المعتادة التي تفرغ الأمر من مضمونه سواء عبر حظر آراء أو اتجاهات أو شخصيات، أو تجعله أمراً مؤقتاً لمدة قصيرة محددة، لكن وحتى يحدث ذلك، أليس ملفتاً أن تأتي تلك الدعوات وهناك في ذات الوقت صحفيون وأعضاء أحزاب ومواطنين محبوسون بسبب تعبيرهم عن رأيهم؟ ألا يستوجب ذلك لتكتسب تلك الدعوات المصداقية اللازمة والواجبة أن تتزامن معها تحركات سريعة وحقيقية لإغلاق وتصفية ملف سجناء الرأي بشكل حقيقي وكامل؟
وهل تنشيط الحياة الحزبية يشمل رفع القيود عن محاولات تأسيس أحزاب جديدة؟ وهل يتضمن إتاحة المساحة حقاً وبشكل جاد للأحزاب المعارضة للحركة والالتقاء بالمواطنين وتنظيم المؤتمرات وقيام أعضائها بجولات في شوارع المدن والقرى لطرح أفكارها ورؤاها على المواطنين استعداداً لانتخابات المحليات أم سيقتصر ذلك على أحزاب الموالاة؟ وهل سيتم إشراك الأحزاب والقوى غير الممثلة برلمانياً في حوار حقيقي حول قانون الانتخابات المحلية قبل إصداره، خاصة في ظل معرفة الجميع أن البرلمان للأسف لا يعبر عن التنوع السياسي والاجتماعي في ظل الطريقة والقانون الذي أجريت به الانتخابات البرلمانية أم سيتم كالعادة اعتماد نظام القوائم المغلقة المطلقة وتنسيق القوائم والأسماء المشاركة بعيداً عن أجواء إجراء انتخابات تنافسية حقيقية؟
الإجابات عن هذه الأسئلة، بالممارسة والفعل وليس القول، هي التي سوف تفتح الباب للإجابة عما إذا كانت تلك مساحة يمكن الرهان عليها في انفتاح نسبي ولو محدود أم يبقى الوضع على ما هو عليه.
تعديل الدستور أم خطوات إصلاح متدرج حتى 2030؟
لا تحتاج مصر تعديلات دستورية جديدة، ولا دستوراً جديداً كما يدعو البعض، وإنما تحتاج لتفعيل كافة بنود الدستور الحالي وتطبيقها فعلياً، ويحتاج المجتمع ليقين أن السلطة الحالية رغم أي نقد أو خلاف أو معارضة لها، تدرك أن هذا البلد يحتاج ولأول مرة في تاريخه انتقالاً ديمقراطياً طبيعياً، حتى لو لم يكن مكتمل الأوصاف والأركان، وحتى لو كان خطوة أولى على طريق طويل تحتاجه وتطلبه مصر.. وربما هذا وحده إن حدث، وتم الإعلان عن الالتزام به، وتم تنفيذه فعلاً، قد يمثل فارقاً كبيراً وجوهرياً في التفاعلات ما بين السلطة والمجتمع وقواه خلال السنوات القليلة القادمة، ويفتح باباً واسعاً لإصلاحات جادة وكبيرة خلال المرحلة المقبلة.
والخوف كل الخوف أن يكون هذا الباب لتعديل الدستور مجدداً، من حيث قد يعتبره البعض تأكيداً للاستقرار، أن يؤدي للعكس بالضبط، أو أن يكون رسالة إحباط ويأس جديدة للباحثين عن أمل في إصلاح تدريجي وتغيير سلمي وانتقال ديمقراطي في مسار هذا البلد.
عملياً فلا يُعتقد أن المعارضة قادرة على منع مسار تعديل الدستور إذا قررته السلطة، ومع ذلك فإن دورها وواجبها أن تعلن بوضوح مخاطر ذلك التوجه وآثاره، وفي ذات الوقت أن تطرح بمسؤولية وجدية تصوراتها لخطوات الإصلاح السياسي المتدرج التي تضمن انتقالاً ديمقراطياً، لا رهاناً على الاستجابة لها وإنما إكساباً لثقة ومصداقية تحتاجها، كما لا يُعتقد أن السلطة مؤمنة ومقتنعة بمسألة الديمقراطية باعتبارها مدخلاً لحلول أو ضرورة من ضرورات المرحلة والعصر، لكن ربما نظرة جادة وعميقة لأوضاع المجتمع وأزماته وإحباطاته ومدى أهمية أن يرى أملاً وضوءاً في نهاية النفق، وقدراً من الانفتاح الحقيقي على الآراء المختلفة والمعارضة يؤثر ولو بدرجة على إدراكها لمخاطر استمرار الانغلاق الحالي وتغييب السياسة واستفحال الفراغ دون وجود من يملأه والاعتماد على الحلول الأمنية وحدها في مواجهة الآراء المعارضة أو المختلفة.
وبعيداً عن قناعات السلطة، وقدرات المعارضة، فإن المجتمع فعلاً يحتاج للأمل في أن يكون رأيه حاضراً ومؤثراً، وفي أن يشهد انتقالاً سلساً، ولا يتعلق الأمر هنا بأشخاص بقدر ما يتعلق بمسار تحتاجه مصر، وبقدر ما يتعلق بحاجة هذا البلد لتماسك حقيقي وواسع في ظل أزمات داخلية كبيرة لا يمكن حلها إلا بتوافق واسع، وتحديات خارجية خطيرة تحتاج تكاتفاً رسمياً وشعبياً جاداً.