في فبراير من العام 1968، قام شباب الجامعات بمظاهرات هادرة رفضًا لأحكام قد صدرت ضد قادة طيران الجيش المصري في حرب 1967، وقد رأوها أحكامًا غير كافية ولا تتناسب مع حجم الهزيمة التي لحقت بالجيش المصري العظيم.
في هذه المظاهرات، هتف الشباب هتافات ناقدة بل معادية للنظام، ونالت هذه الهتافات من الرئيس جمال عبد الناصر شخصيًا..
وأصدرت الداخلية بيانًا -وما أشبه اليوم بالبارحة- قالت فيه نصًا:
“إن وزارة الداخلية تلفت النظر إلى أن قرار منع المظاهرات سوف يُطبق بطريقة حاسمة، كما أن أية محاولة للخروج عليه تعتبر إساءة إلى النضال القومي في وقت تتعرض فيه الأمة لمؤامرة واسعة النطاق، وسوف تُقابل أي محاولة للخروج عليه بالشدة الواجبة، خاصة وسط معلومات مؤكدة عن استعداد بعض الفئات من أعداء الشعب للاندساس وسط المظاهرات بغرض تحويلها إلى مسار آخر”.
ولم يمتثل الشباب كعادتهم في كل العصور للتهديد وقاموا بالتظاهر، وتصدت لهم الشرطة وأسفرت الأحداث عن إصابات والقبض على مئات منهم.
واستمرت وتصاعدت وتيرة الاحتجاجات والمظاهرات للأيام التالية، وقرر الشباب تنظيم مسيرة من جامعة القاهرة إلى مجلس الأمة (النواب حاليًا).
وحدثت مفاجأة؛ فقد صدرت تعليمات مشددة من رئيس مجلس الأمة السيد أنور السادات إلى قوات الشرطة ألا تقترب من مسيرات الشباب المتجهة إلى مجلس الأمة، وأصدر أوامره إلى حرس المجلس بأن يفتحوا الأبواب للمظاهرة، فتدفق الطلاب داخل ساحة المجلس. وخرج وتحدث إليهم وقال إنه ليس لديه داخل قاعات المجلس مكان يتسع لهم جميعًا، ولأنه يريد أن يتحدث إليهم ويريد أن يكون الحديث منظمًا، اقترح أن يدخل وفد من الطلبة إليه ليجتمع به ويسمع منه ويتحدث إليه.
وقد دخل بالفعل وفد من حوالي 50 طالبًا إلى إحدى قاعات المجلس، وجلس يستمع إلى وجهات نظرهم ووعدهم بإيصالها للرئيس جمال عبد الناصر. لكن أولاد الحلال من رجال الدولة الموجودين في كل زمان ومكان -والذين لم يرضهم مسلك السادات ومعالجته للقضية- ذهبوا للرئيس عبد الناصر وعرضوا عليه الأمر عرضًا يجعله يتخذ أقصى الإجراءات ضد هؤلاء الشباب.
بل إن منهم من طلب السماح بالقبض على من حرضهم من قيادات يسارية لأنهم شباب مغرر بهم، ومنهم من هو ضالع في مؤامرة إسقاط الدولة بعد أن فشل العدو الصهيوني في إسقاطها بالحرب، وذكّروه بمقولته في بداية ثورة 1952: “الحرية للشعب وليست لأعداء الشعب”.
نظر الزعيم لهم بابتسامة ذات مغزى، وقال لهم بهدوء: “أفرجوا عن الشباب فورًا”، وطلب ترتيب لقاء مع الشباب الغاضب المفرج عنهم في القاعة الكبرى لجامعة القاهرة..
وجاء يوم اللقاء، وطالبه نفس أولاد الحلال من رجال الدولة بالصعود إلى مسرح القاعة من كواليسه، خشية تعدي أي من هؤلاء الشباب المتهور أو المتآمر عليه. وبثقة الزعيم الواثق بشعبه والمؤمن بشبابه رفض، ودخل القاعة من بابها مارًا وسط هؤلاء الشباب المتحفز الجريح لهزيمة بلاده والمطعون في كبريائه بقهر السجن عقابًا له على محاولته أن يعبر عن هذا الجرح.. لم يكن في إمكان هؤلاء الشباب، والنزف غزير لأنه بحجم الجرح، أن يصبحوا شهود زور ويشربوا نخب خيانة ذواتهم في صحة صمت القبور الذي لن يحرس إلا الخراب.
ودوت القاعة بالهتافات المعبرة عن هذا الجرح، والتي كان قد رددها الشباب في المظاهرات والتي طالت الرئيس شخصيًا. ابتسم الزعيم وصعد على المسرح ووقف أمام الميكروفون ولم يتحدث إلى أن انتهى الشباب من هتافاتهم، وبدأ حديثه فقال:
“إن اختلفت قيادة الدولة مع شبابها فإن قيادة الدولة على خطأ، وإن اختلفت قيادة الثورة مع ثوارها فإن قيادة الثورة على خطيئة”.
وأدار حوارًا مفتوحًا معهم أتاح لهم فيه قول كل ما خالج أنفسهم بما فيه من شطط، وسجل ما قالوه بقلمه بسعة صدر منقطعة النظير، وقال لهم ضمن ما قال إنه يسلم تسليمًا مطلقًا بحق الشباب في مناقشة كل المسائل العامة، وقال لهم: “إذالم تتقدموا بأنفسكم للإدلاء بأرائكم نحو قضايا الوطن فإن الواجب الذي يفرضه موقعي هو دعوتكم إليها، ذلك أن مشاركة الشباب في ذلك ليست مجرد أمر مرغوب فيه، ولكنه حتمي لأنكم أصحاب المصلحة الحقيقية في هذا المستقبل الذي نحاول الآن أن نبنيه، ولا تملك أي سلطة أن تعترض هذا الحق أو تعطله.. بل إننا جميعًا يجب أن نصونه ونحميه”.
وطالب الشباب بالإفراج عن بقية المعتقلين، وطالبوه بضمانات لحرية الرأي والصحافة، وإبعاد الأجهزة عن الجامعات، وإعادة محاكمات الطيران، ومحاكمات علنية لكل مراكز القوى، والتحقيق في اعتداءات الشرطة على الشباب ومداهمات الفجر، وغيرها من المطالبات.
واستجاب فورًا للكثير من هذه المطالبات ووعد بالتفكير في كل ما قالوه، بل إنه رد بحسم على المطالبات بالاعتراف بأخطاء نظامه وقال: “إنني سأضع أمام الجماهير –بواسطة المحاكمات العلنية– صورة كاملة لانحرافات وأخطاء مرحلة سابقة.
وأن هذه مسؤولية أخلاقية ومعنوية يجب أن يتحملها نظامنا الثوري بأمانة وشجاعة، وأن الضمير الوطني الذي أحس بأن انحرافات وأخطاء قد وقعت من حقه ومن مصلحته أن يعرف الحقيقة، وأن يخلص وجدانه من أثقالها، وأن ينفض عن نفسهكل رواسب الماضي لكي يدخل إلى المستقبل بصفحة نقية طاهرة”.
وأضاف قائلاً: “مع كل العذاب الذي تحملته شخصياً وسأتحمله خلال هذه العملية، فسيبقى إيماني بضرورتها كإيماني بطب الجراحة يقطع لينظف، ويبتر لينقذ”. وقال لهم: “إن أي نظام يستند على الجماهير وحدها لا يكفيه أن يكون الشعب وراءه راضيًا ومؤيدًا، وإنما هو يحتاج إلى أكثر من ذلك؛ يحتاج إلى أن يكون الشعب أمامه موجهًا وقائدًا”.
وقال: “إن العمل السياسي لا يقوم به الملائكة وإنما يقوم به البشر، والقيادة السياسية ليست سيفًا بتارًا قاطعًا، وإنما هي عملية موازنة واختيار بعد الموازنة بين مكاسب محتملة ومخاطر محسوبة، فإن كانت المخاطرة أن تدخل الدولة والثورة في صراع مع شبابها فإنني أفضل أن أدخل في أي مخاطرة أخرى وأتحمل أضرارها وعواقبها لأن الوطن لا يتحمل الصدام مع المستقبل.
وكان ما دوّنه عبد الناصر بقلمه في ذلك اليوم هو مشروع بيان 30 مارس التاريخي، والذي كان البداية الحقيقية لتصحيح بناء الدولة بجيشها ومؤسساتها، والتي أسفرت في نهاية المطاف عن عبور الشعب المصري بجيشه العظيم من الهزيمة إلى النصر..
انتهت القصة.