تقف “أم عصام” طويلا أمام ماكينة الصراف الآلي لصرف معاشها. تصل إلى مبتغاها، تضغ البطاقة بحرص شديد بينما تمتم بكلمات غير مسموعة. تتمم عملية السحب ثم تتنحى جانبا لتعد النقود جيدا. تنتهي من المهمة ثم تجلس على أقرب مقعد، وتبدأ عملية حسابية معقدة، للبحث في كيفية قضاء الشهر “مستورة” حتى صرف معاش الشهر المقبل.
“هيكفوا ايه ولا ايه يارب، إنت المعين والسند”، تتحدث لنفسها، وتتابع: “عمرنا ضاع في الشغل وخدمة البلد وفي الآخر بناخد ملاليم مايكفوناش عيش حاف”.
كان يليها في طابور الماكينة سيدة في منتصف العمر، تبدو عليها علامات التعب والإجهاد، تتعامل مع ماكينة الصراف الآلي بمهارة عالية. تتقاضى الراتب وتنظر في يدها. تشخص ببصرها لثوان معدودة، ثم تتحدث ردا على سابقتها: “هي كده على الكل يا أمي، لا ملاحقين على البيت والطلبات والولاد ولا على الغلاء اللي بياكل فينا”. وتؤكد: “ماشية بالقدرة الإلاهية”.
يطالع الموقف رجلا لا يزال ينتظر دوره في الطابور. يرد عليهما: “40 سنة خدمة وفي الآخر مش عارفين نعيش، كان لازم اشتغل رئيس جمهورية علشان آخد مرتب محترم ومعاش محترم وماخفش من بكرة”.
غالبا ما تمثل رواتب المسئولين علامات استفهام بالنسبة للمواطنين. ويراها البعض مُبالغ فيها بالدرجة التي تجعله ينصرف عن التفكير بها. لا سيما راتب رئيس الجمهورية، الذي وإن أقره الدستور، يبقى بند المكافآت والحوافز مفتوحا على مصراعيه ليحتمل أي زيادة.
“القصة” ينقل لكم رواتب الرؤساء منذ محمد نجيب حتى السيسي، ومؤشرات للحالة الاقتصادية في كل من تلك العهود. كذلك القانون المنظم للرقابة على الذمة المالية لموظفي الدولة، بما فيهم الرؤساء.
الرئيس الراحل اللواء محمد نجيب، “يونيو 1953 – نوفمبر 1954”.
كان راتب أول رئيس مصري، محمد نجيب، 500 جنيه شهريا، وفقا لقرار مجلس قيادة ثورة يوليو 1952. الذي سرعان ما أصدر قرارا آخر يقضي بتنازل رئيس الجمهورية عن نصف راتبه للدولة. وأصبح بذلك راتب نجيب 250 جنيها شهريا. ولم يستمر نجيب في الرئاسة سوى 17 شهر فقط، أي أنه تقاضى 4250 جنيها طيلة فترة حكمه للبلاد.
أما عن ثروته، فالثابت أن نجيب كان يعاني من ضغوطات مالية، وصلت حد العيش في تقشف، ما نتج عنه عدم وجود ثروة مالية أو عقارية متروكة عقب الوفاة.
الحالة الاقتصادية:
كانت مصر تشهد حالة من الاستقرار رغم الثورة والانتقال من الملكية إلى الجمهورية. وتشير التقارير البحثية غلى ان سعر كيلو اللحم كان يتراوح ما بين 22 إلى 25 قرشا. بينما جرام الذهب عيار 21 كان سعره 65 قرشا.
الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، “يونيو 1956 – سبتمبر 1970”.
عندما تولى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الحكم في يونيو 1956 تضاعف راتب رئيس الجمهورية، ليصبح 500 جنيها شهرياً. بالإضافة إلى 125 جنيه بدل تمثيل الدولة، ليصبح إجمالي راتبه 625 جنيها، يخصم منها 226 جنيها اقتطاعات مقابل إيجار استراحة الرئيس، والمعاش، والدمغات، والتأمين، ودعم الدولة. ليصبح راتبه بعد الاقتطاعات 399 جنيها شهرياً. وطبقا لفترة حكم الزعيم الراحل، التي وصلت 14 سنة و3 شهور، فإنه تقاضى رسمياً نظير فترة حكم مصر مبلغ 68 ألفا و229 جنيه مصري.
أما عن ثروة عبد الناصر، فالثابت أنه ترك أموالا سائلة وبعض الأسهم والسندات ووثائق التأمين، بخلاف سيارته التي كان يمتلكها قبل وصوله للحكم. وقدرت ثروة ناصر وقت وفاته بـ 10 آلاف جنيه بخلاف السيارة.
الحالة الاقتصادية:
شهد عهد عبدالناصر نهضة صناعية ضخمة، ورغم العدوان الثلاثي 1956 وهزيمة 1967 وحرب الاستنزاف، لكن المواطن كان يعيش حياة كريمة، ويستطيع تلبية احتياجاته الأساسية بسهولة.
وذكرت التقارير أن كيلو اللحم كان يتراوح ما بين 25 إلى 50 قرشا. بينما سعر جرام الذهب عيار 21 بلغ 1.30 قرشا في نهاية عهد عبدالناصر.
الرئيس الراحل محمد أنور السادات، “سبتمبر 1970 إلى أكتوبر 1981”.
في بداية حكمه كان يتقاضى 500 جنيها شهريا، تضاعفت بعد رفع الحد الأقصى لدخل الموظفين في الدولة. ليبلغ ما تقاضاه منذ أول شهر في الحكم حتى نهاية 1975 مبلغ 31 ألف و500 جنيها تقريبا، بواقع 500 جنيها عن كل شهر. أما في الفترة من بداية 1976 إلى أكتوبر 1981 تقاضى 70 ألف جنيه، بواقع 1000 جنيه شهريا، وذلك بعد تضاعُف راتبه، إثر تطبيق الحكومة المصرية نظام “الأجر الأساسي والأجر المتغير”. ما يعني أن الرئيس الراحل أنور السادات تقاضى طيلة فترة حكمه للبلاد 101 ألف جنيه ونصف.
أما عن تركة الرئيس السادات، فالأمر يبدو مختلفا عن سابقيه. حيث أكدت الراحلة جيهان السادات، حرم الرئيس الراحل، أنه مات مديونا بمبلغ 1000 جنيه. في حين أكدت جهات متعددة في وقت لاحق أن السادات ترك ميراثا كبيرا. بدأ بـ1000 جنيه مصري مودعة كحساب في بنك مصر، بالإضافة إلى 126 ألف جنيه من عوائد بيع كتابه “البحث عن الذات”. بالإضافة إلى 2 فدان من الأرض باسمه، و7 أفدنة باسم كل من نجله جمال السادات، وزوجته جيهان السادات. وأكدت إقبال ماضي، في كتابها “أيامي مع السادات”، أن تركته لم تتجاوز 250 ألف جنيها وفقا لأعلى التقديرات.
الحالة الاقتصادية:
يُعرف عهد السادات بأنه عصر الانفتاح الاقتصادي. وشهدت فترة حكمه العديد من القرارات الاقتصادية التي أدت إلى انتفاضات شعبية واسعة، أبرزها أحداث 18 و19 يناير 1977 المعروفة بانتفاضة الخبز.
بلغ سعر كيلو اللحم في بداية حكم السادات 65 قرشا، وارتفع في نهاية عهده إلى 3 جنيهات. بينما تضاعف سعر جرام الذهب عيار 21 أكثر من مرة ليصل 12 جنيها.
الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، “أكتوبر 1981 – فبراير 2011”.
يُعد الرئيس الراحل حسني مبارك أحد أكثر رؤساء مصر إثارة للغط فيما يتعلق براتبه. فمنذ توليه الحكم رفع راتبه إلى 5000 جنيها، ما يعني أن راتبه طيلة فترة حكمه للبلاد لا يتجاوز مليون و780 ألف جنيها. لكن مما أثير بعد تنحي مبارك، ما أكدته مصادر مقربة منه عن تقاضيه مبلغ 150 ألف جنيها شهريا. ووفقا لهذه الأقاويل، فقد تقاضى مبارك 53 مليون و400 ألف جنيها طيلة فترة حكمه للبلاد.
وبخصوص ثروة مبارك عقب ثورة 25 يناير، فتباينت التقديرات الخاصة بها. حيث نشرت تقارير صحفية ألمانية في فبراير 2011 أنها بلغت 40 مليار دولار، بينما أوضحت تقارير صحفية بريطانية بلوغها 70 مليار دولار. لكن النيابة العامة المصرية أصدرت بيانا رسميا في يونيو 2013 عن ثروة مبارك، وأكدت أنها بلغت 9 مليارات جنيه مصري فقط لا غير.
وفي بداية 2014 أكد الكاتب الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل، أحد المقربين من مبارك، أن ثروة مبارك تتراوح ما بين 9 إلى 11 مليار دولار، لكنه أنكر هذا الحديث أمام جهاز الكسب غير المشروع، الأمر الذي تسبب في اندلاع أزمة بينه وبين علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل.
وحتى يومنا هذا، ورغم جهود لجان استرداد الأموال المصرية المهربة من قِبَل مبارك وأسرته إلى الخارج إبان ثورة يناير 2011، لم يضع الشعب يده على أي وثيقة تثبت تحديدا راتب مبارك أو تقدر حجم ثروته بما لا يدع مجالا للشك.
الحالة الاقتصادية:
واجهت مصر في السنوات الأخيرة من عهد مبارك حالة من التراجع الاقتصادي المرتبط بالمواطن بشكل مباشر. حيث تعددت موجات التضخم وارتفعت الاسعار بالمقارنة بالسنوات الاولى في عهده.
وبلغ كيلو اللحم في بداية عهد مبارك ما بين 5 إلى 7 جنيهات، وصلت في نهاية عهده إلى 65 جنيهًا. بينما سجل سعر جرام الذهب عيار 21 نحو 250 إلى 300 جنيها.
الرئيس الراحل محمد مرسي، “30 يونيو 2012 – 3 يوليو 2013”.
قضى مرسي في الحكم عام واحد. وكان راتبه الشهري نحو 44 ألف و616 جنيه. مايعني أن إجمالي راتبه خلال فترة حكمه للبلاد 535 الفا و392 جنيها.
ورغم الحسابات سالفة الذكر، لكن الثابت طبقا للجهاز المركزي للمحاسبات، أن مرسي تقاضى 793 ألفًا و652 جنيهًا مصريًا، خلال فترة حكمه. وأرجع المستشار هشام جنينة فرق المبالغ المذكورة إلى مكافآت وعلاوات خاصة، إلى جانب بدلات التمثيل والحوافز.
أما عن ثروة المعزول، فلا توجد تقديرات أو تقارير رسمية تناولت ثروته أو تركته بعد وفاته. لكن الثابت من التحقيقات الرسمية عدم وجود أي تضخم غير مبرر في ثروة مرسي. حيث أغلقت الجهات القضائية والرقابية ملف الاتهامات بالكسب غير المشروع لعدم وجود أي أدلة عليها.
الحالة الاقتصادية:
شهدت الحالة الاقتصادية تذبذبا واضحا في الفترة التي تلت أحداث ثورة 25 يناير 2011. لكن كان المواطن يستطيع تلبية حاجاته الأساسية دون عناء.
أما عن سعر كيلو اللحم فقد بلغ 70 جنيها في المتوسط إبان حكم مرسي، وجرام الذهب عيار 21 بلغ 300 جنيه.
الرئيس الانتقالي عدلي منصور، “4 يوليو 2013 – 8 يوليو 2014”.
مع تولي المستشار عدلي منصور رئاسة البلاد، بشكل انتقالي وفقا للدستور، أصدر قرارا بقانون في مايو 2014 يحدد مرتب وبدل تمثيل رئيس الجمهورية بمبلغ 42 ألف جنيه شهريا، بواقع 21 ألفاً راتب أساسي و21 ألفاً بدل تمثيل الدولة، وذلك تطبيقاً للدستور الجديد.
اللافت للانتباه أن منصور رفض تقاضي أي أموال من خزينة الدولة كراتب شهري له عن رئاسة البلاد أو تسيير الأعمال. واكتفى بالحصول على راتبه المعتاد كرئيس للمحكمة الدستوربة العليا، ما وصفته تقارير عليا بانه موقف نزيه من الرجل الذي قدَّر الظرف الذي كانت تمر به البلاد وقتها.
الحالة الاقتصادية:
رغم تذبذب ما بعد الثورة، لكن الأوضاع الاقتصادية بالنسبة للمواطن كانت مستقرة. حيث لم تتاثر احتياجاته الأساسية خلال هذه الفترة بشكل مبالغ فيه.
وبلغ سعر كيلو اللحم ما بين 80 إلى 100 جنيه. في حين سعر جرام الذهب عيار 21 تراجع، مسجلا ما بين 235 إلى 270 جنيها.
الرئيس عبدالفتاح السيسي، “يونيو 2014 – حتى الآن”.
منذ تولي الرئيس السيسي مقاليد الحكم لا يزال راتب رئيس الجمهورية 42 ألف جنيها. لكن السيسي أعلن بعد أيام من توليه منصبه التنازل عن نصف راتبه لصالح دعم الاقتصاد المصري. ليصبح راتب السيسي 21 ألفا فقط.
الحالة الاقتصادية:
طبقا لمتخصصين، فإن اقتصاد الدولة المصرية يشهد حالة بالغة السوء. ويحتاج خططا حقيقية لإنعاشه والنهوض به، بعيدة عن الاستدانة وصندوق النقد والبنك الدوليين. حيث تشهد البلاد موجات مفزعة من التضخم، وبالتالي زيادة الأسعار، وتراجع قيمة العملة الوطنية. فضلا عن اختفاء الطبقة المتوسطة، ونزولها لخط الفقر، بينما تقبع نسبة تتعدى 30% من المواطنين تحت خط الفقر.
يبلغ سعر كيلو اللحم اليوم 500 جنيه نقريبا، في حين سعر جرام الذهب عيار 21 يتخطى 6400 جنيها، وفقا لآخر التحديثات.
قانون الذمة المالية والرؤساء:
يتطرق الدستور لراتب رئيس الجمهورية، والرقابة على الذمة المالية له أو لموظفي الدولة بصفة عامة. حيث نصت المادة (145) من الدستور المصري على أن:
“يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية، ولا يجوز له أن يتقاضى أي مرتب أو مكافأة أخرى، ولا يسري أي تعديل في المرتب أثناء مدة الرئاسة التي تقرر فيها. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يمارس لحسابه أو لحساب غيره مهنة حرة، أو عملاً تجارياً، أو مالياً، أو صناعياً، ولا أن يشترى، أو يستأجر شيئاً من أموال الدولة، أو أي من أشخاص القانون العام، أو الأشخاص الاعتبارية العامة، ولا أن يُكرى أو يبيع شيئاً من أمواله لهذه الجهات، ولا أن يعاضها عليه، ولا أن يعقد معها عقد معاوضة، أو مقاولة، أو توريد، أو غيرها، ويقع باطلاً أي عمل من هذا القبيل. ويقدم رئيس الجمهورية إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه، وفي نهاية كل عام، وينشر الإقرار في الجريدة الرسمية. وإذا تلقى رئيس الجمهورية بالذات أو بالواسطة هدية نقدية، أو عينية، بسبب منصبه أو بمناسبته، تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة، وذلك كله على النحو الذي ينظمه القانون.”
“الكسب غير المشروع” يراقب ويحاسب:
يقول المحامي أسعد هيكل إن هذا النص الدستوري يلزم رئيس الجمهورية بتقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب، وعند تركه. ويضيف: “وأثناء توليه المنصب عليه أن يقدم هذا الإقرار سنوياً طوال فترة توليه السلطة، كما أوجب الدستور نشر هذا الإقرار في الجريدة الرسمية؛ حتى تكون هناك رقابة ومتابعة مستمرة ومباشرة من أجهزة الدولة والرأي العام للحالة المالية لرئيس الجمهورية”.
ويشير هيكل إلى أن النص الدستوري قد أحال في تحديد مرتب رئيس الجمهورية إلى القانون. ويتابع: “وقد صدر بالفعل القانون رقم (99) لسنة 2014 في عهد المستشار عدلي منصور، والذي حدد راتب رئيس الجمهورية بـ 42 ألف جنيه شهرياً وقسمه إلى جزئين، 21 ألف جنيه مرتباً أساسياً، و21 ألف جنيه بدلات، وحظر تقاضيه أي أموال أو مكافآت أخرى خارج هذا الإطار”.
ويشدد هيكل على أن أحكام قانون الكسب غير المشروع رقم (62) لسنة 1975، يُلزم كافة موظفي الدولة بما فيهم رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والوزراء، والمحافظون بأن يقدموا إقراراً بذمتهم المالية خلال شهرين من تاريخ شغلهم لهذه المناصب. ويضيف: “ثم إقراراً دورياً كل خمس سنوات، وإقراراً أخيراً خلال شهرين من ترك المنصب. وفي حال وجود أي تضخم في الثروة أو ظهور مصادر مالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة للمسئول، يتدخل جهاز الكسب غير المشروع فوراً للمحاسبة والرقابة على هذا الشخص صوناً للمال العام وسيادة القانون”.