تعيش عائلات سجناء الرأي معاناة كبيرة، حيث ألم الظلم، ومرارة الانتظار، وعشرات المواقف التي لا تُنسى. تختلف حياتهم كثيرا عن تلك الحياة الطبيعية التي يحياها غيرهم. فاختطاف السجن أحبابهم فرض عليهم أسلوبا مختلفا للمعيشة، تغلب عليه المشاعر المعلقة بالغائبين خلف أسوار السجون. أمهات يفتقدن أبناءهن، وزوجات ينتظرن أزواجهن، وأشقاء بددت الوحشة حياتهم، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم. تدور حياتهم جميعا في فلك الانتظار والاستعداد للزيارة، ثم العودة منها إلى انتظار جديد.
حتى تلك الزيارة لا تخلو من الألم. فأمام بوابات السجون يقف العشرات، طوابير تصطف، ومجموعات تلتف حول بعضها، الجميع ينتظر لحظة بذلوا الكثير من أجلها، البعض يجلس في ساحة السجن، والبعض الآخر في الشارع أمام الباب، كلٌ ينتظر دوره، حيث لقاء الغائبين الذين يفقدون أعمارهم وتموت أحلامهم أو تتأجل لأجل غير مسمى، دون سبب يذكر.
كل فرد من أهالي سجناء الرأي يحمل ذكرى لا تنسى، أو موقفا إنسانيا خرج من رحم المعاناة التي يقبعون فيها. “القصة” ينقل لكم بعض من تلك المواقف التي تركت أثرا في النفوس، من خمس أُسر من أهالي السجناء. ما بين تجارب البُعد، وبين ثنائية الانتظار والزيارة. حيث يفتح الأهل قلوبهم، للتنفيس عن بعض ما يشعرون به من جراء تلك التجارب، ومن الانتظار المرير الذي لا يعلم أي منهم متى ينتهي، ليتحقق حلمهم في حياة – فقط – كالحياة.
زوجة الدكتور عبدالخالق فاروق.. يا عزيز عيني!
تروي الفنانة التشكيلية نجلاء سلامة، زوجة الدكتور عبدالخالق فاروق، جانبًا من المعاناة التي تعيشها منذ دخوله السجن، مؤكدة أن أصعب لحظات الزيارة بالنسبة لها ليست لحظة اللقاء، وإنما لحظة الوداع.
تقول نجلاء إن الزيارة تبدأ في أحيان كثيرة بالفرح، إذ تحاول أن تستغل الوقت المحدود في الحديث والضحك واحتضان زوجها. لكن كل ذلك ينقلب إلى حزن وبكاء عند انتهاء الزيارة. وتوضح: “أصعب موقف على الإطلاق السلام وقت انتهاء الزيارة. بعد ما بنبقى داخلين بنضحك وفرحانين، البكاء بقى والحزن، وإن إحنا بنمسك دموعنا علشان ما نحملوش الهم، ده يعتبر الموقف الأصعب”.
وتشير إلى أن مدة الزيارة تختلف عن الزيارات العادية، إذ تكون في الغالب ما بين نصف ساعة و45 دقيقة، بينما قد تمتد زيارات أخرى لأكثر من ساعة أو ساعة ونصف. وتتذكر إحدى الزيارات في شهر رمضان، حين لم تتجاوز المدة خمس دقائق، وحين اعترضت على قصر الوقت، جاءها الرد بأن الزيارة امتدت إلى سبع دقائق، وهو موقف ترك أثرًا بالغًا لديها، خاصة مع حاجتها إلى وقت كافٍ للاطمئنان على زوجها والتحدث معه.
ولا تقتصر معاناتها على قصر مدة الزيارة، وإنما تمتد إلى ما تفرضه ظروفها من صعوبة في مشاركة زوجها تفاصيل حياتها اليومية وقراراتها، خاصة أن الحديث خلال الزيارة يكون محدودًا ولا يتيح لها مناقشة الأمور الخاصة بالأسرة كما تريد. وتقول إن غياب زوجها يجعلها تتحمل بمفردها مسؤولية الكثير من القرارات والأعباء. فضلًا عن عدم قدرتها أحيانًا على إخباره بالأخبار الحزينة أو أخبار الوفاة، حتى لا تزيد من ألمه داخل السجن.
لكن نجلاء ترى أن هذه التجربة لم تمر عليها هي الأخرى دون ثمن. تقول إنها لم تمنح نفسها في بداية الأمر فرصة للانهيار أو البكاء بعد القبض على زوجها، وظلت تتحمل وتواصل حياتها وتذهب إلى الزيارات، إلا أن تراكم الضغط النفسي والجسدي بدأ يظهر على صحتها، من خلال آلام في الساق والعظام والعمود الفقري ومشكلات في الاتزان.
وتصف تجربتها بأنها “أسوأ تجربة على الإطلاق وأقسى تجربة على الإطلاق”. وتؤكد أنها لا تتمنى لأي إنسان أن يعيشها، ولا تتمنى حتى لأشد خصومها أن يمروا بما عاشته أسرتها من محاكمة وانتظار وغياب.
وتختصر نجلاء علاج معاناتها في أمنيتها باجتماع الأحبة من جديد في منازلهم، وأن يأتي يوم تستطيع فيه الأسر أن تقول لأحبائها: “مساء الخير يا عزيز عيني”، وهم بينهم، في بيوتهم.