وصل الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة مساء أمس الثلاثاء، تلبية لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في زيارة رسمية تأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، التي بدأت رسميًا في 30 مايو 1956، وكانت مصر حينها أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة للرئيس الصيني إلى مصر منذ زيارته السابقة في يناير 2016، فيما تأتي العلاقات بين القاهرة وبكين بعد سبعة عقود من التعاون وقد وصلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ووفق الهيئة العامة للاستعلامات، تستهدف الزيارة دفع التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، إلى جانب تنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية.
استقبال رسمي ومباحثات بالقاهرة
كان الرئيس عبد الفتاح السيسي والسيدة انتصار السيسي في استقبال الرئيس الصيني وقرينته بمطار القاهرة الدولي، في مستهل الزيارة الرسمية. وفي صباح اليوم، استقبل الرئيس السيسي نظيره الصيني بقصر الاتحادية، حيث تضمنت مراسم الاستقبال اصطفاف الخيول وإطلاق 21 طلقة مدفعية وأداء حرس الشرف للتحية وعزف السلامين الوطنيين للبلدين.
وأعقب مراسم الاستقبال عقد جلسة مباحثات موسعة بحضور وفدي البلدين، شهدت التوقيع على اتفاقية وعدد من مذكرات التفاهم، قبل إقامة مأدبة غداء تكريمًا للرئيس الصيني والوفد المرافق له.
وبحسب الرئاسة المصرية، بحث الرئيسان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنفيذ مقررات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، مع تأكيد الجانب الصيني حرصه على تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في مصر، والاستفادة من السوق المصرية وموقعها الاستراتيجي.
كما تناولت المباحثات استمرار التعاون الفني ونقل الخبرات في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع والزراعة، إلى جانب بحث عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
غزة والشرق الأوسط والنيل
حضر الملف الإقليمي بقوة على مائدة المباحثات المصرية الصينية، إذ أكد الرئيسان ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات والنزاعات، كما ناقشا جهود خفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، شدد الرئيس السيسي على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وفق مقررات الشرعية الدولية، وأشار إلى الجهود المصرية لتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، مع التأكيد على أهمية إدخال المساعدات الكافية إلى القطاع، خصوصًا المعدات والمستلزمات الطبية.
وأشاد الرئيس السيسي بالدعم الصيني لحقوق الشعب الفلسطيني ومبدأ حل الدولتين باعتباره السبيل لتحقيق السلام العادل والمستدام.
كما تناولت المباحثات قضية الأمن المائي المصري، حيث أكد السيسي الأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر وحقها في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، داعيًا دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي وعدم التسبب في إحداث ضرر.
من جانبه، أكد الرئيس الصيني تقدير بلاده لدور مصر في دعم السلام والاستقرار في محيطها الإقليمي، مشددًا على أهمية استمرار التنسيق بين البلدين في المحافل الدولية بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، والدفاع عن مصالح الدول النامية.
التجارة.. الصين أكبر شريك غير بترولي
اقتصاديًا، تمثل الصين أحد أهم الشركاء التجاريين لمصر، وتشير البيانات الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 19.52 مليار دولار خلال عام 2025، وفق وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية.
وتكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن استمرار نمو التجارة خلال 2026؛ إذ ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، مقابل 9.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة 21.5%.
وقفزت الصادرات المصرية إلى الصين بنسبة 199.8% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وتصدرت صادرات مصر إلى الصين مجموعات الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات التقطير بقيمة 494 مليون دولار، تلتها الخضروات والفواكه بقيمة 150.6 مليون دولار، ثم القطن والألياف النسيجية النباتية بقيمة 76.4 مليون دولار.
في المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من الصين بنسبة 14.3% لتصل إلى 10.4 مليار دولار، مقابل 9.1 مليار دولار خلال النصف الأول من 2025. وجاءت الآلات والأجهزة الكهربائية والميكانيكية في مقدمة الواردات بقيمة 4.1 مليار دولار، تلتها المركبات والجرارات والدراجات بقيمة 1.2 مليار دولار.
مبادلة العملات والنقل
وتحظى آليات التعاون المالي بين البلدين بأهمية خاصة، إذ جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاقية مبادلة العملات المحلية خلال يونيو 2026 لمدة ثلاث سنوات، مع رفع قيمة الاتفاقية إلى 30 مليار يوان صيني، مقارنة بـ18 مليار يوان في الاتفاقية السابقة.
ويستهدف الاتفاق تعزيز استخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات المالية والتجارية بين البلدين، وتسهيل الاستثمارات والتعاون المالي.
كما حصل مشروع المرحلة الثالثة من خط سكة حديد مدينة العاشر من رمضان على قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني، ووافق مجلس النواب على الاتفاق في مارس 2026، ثم صدّق عليه الرئيس السيسي ونُشر القرار في الجريدة الرسمية. ويُسدد القرض باليوان الصيني.
الإعفاء الجمركي والصادرات المصرية
ومن الملفات الاقتصادية المهمة مبادرة الصين الخاصة بالإعفاء الجمركي الكامل للواردات من الدول الإفريقية، والتي بدأ تطبيقها في مايو 2026 على الدول الإفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين.
وتسعى مصر إلى الاستفادة من هذه الخطوة في زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، خصوصًا المنتجات الزراعية والصناعات ذات القيمة المضافة.
وفي أغسطس 2026، شهدت التحركات التجارية المصرية توقيع 17 عقدًا تصديريًا مع الجانب الصيني بقيمة 168 مليون دولار، في إطار جهود زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.
استثمارات وصناعات جديدة
وتضع القاهرة جذب الاستثمارات الصينية وتعميق التصنيع المحلي ضمن أولويات التعاون الاقتصادي مع بكين، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمنطقة الصناعية الصينية «تيدا – مصر».
وتشير البيانات الرسمية إلى تجاوز إجمالي الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار، مع توجه للتوسع في قطاعات التصنيع والطاقة والصناعات المرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات وغيرها من المجالات الصناعية.
كما تجرى مباحثات بشأن إقامة مجمع ألومنيوم باستثمارات صينية تصل إلى ملياري دولار، إلا أن المشروع يُصنف ضمن المشروعات المقترحة والمباحثات الاستثمارية، وليس من الدقيق اعتباره اتفاقية موقعة خلال زيارة الرئيس الصيني ما لم يصدر إعلان رسمي بذلك.
الشراكة الصناعية والدفاعية
ولا يقتصر التعاون المصري الصيني على الاقتصاد، إذ شهدت العلاقات خلال السنوات الأخيرة توسعًا في التعاون العسكري والتدريبات المشتركة.
وفي أغسطس 2026، انطلقت النسخة الثانية من التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026» بإحدى القواعد الجوية المصرية، بمشاركة عناصر من القوات الجوية للبلدين، وشملت المشاركة الصينية مقاتلات J-16 وطائرات إنذار مبكر وتزويد بالوقود والنقل الجوي.
وتأتي المناورات في إطار التعاون العسكري وتبادل الخبرات ورفع مستوى التنسيق بين القوات الجوية المصرية والصينية، بعد تنفيذ النسخة الأولى من التدريب في 2025. كما سبق أن ناقش الجانبان مجالات التدريب والتصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا الدفاعية خلال لقاءات عسكرية.
لكن لا تشير البيانات الرسمية المتاحة إلى توقيع اتفاق جديد خلال زيارة الرئيس الصيني بشأن «التصنيع العسكري المشترك» أو نقل تكنولوجيا دفاعية بعينها، لذلك لا يمكن نسب هذه الخطوة إلى الزيارة بصيغة مؤكدة.
ماذا تعني الزيارة اقتصاديًا وسياسيًا؟
تعكس الزيارة انتقال العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر اتساعًا، مع تركيز واضح على تحويل الشراكة الاستراتيجية إلى مشروعات واستثمارات وتعاون عملي في مجالات البنية التحتية والطاقة والتصنيع والتجارة.
اقتصاديًا، يأتي التعاون مع الصين في وقت تسعى فيه مصر إلى زيادة صادراتها، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعميق التصنيع المحلي، وتنويع أدوات التمويل والتجارة بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الدولار. وتوفر السوق الصينية، إلى جانب موقع مصر الجغرافي واتفاقياتها التجارية مع الأسواق الإفريقية، فرصة أمام القاهرة لتعزيز دورها كمركز للإنتاج والتصدير.
أما سياسيًا، فتؤكد المباحثات استمرار التنسيق المصري الصيني بشأن الأزمات الإقليمية والدولية، خصوصًا القضية الفلسطينية وتطورات الشرق الأوسط، مع تأكيد البلدين على الحلول الدبلوماسية واحترام القانون الدولي ودعم مصالح الدول النامية.
وتحمل الزيارة كذلك دلالة خاصة في عام الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية، بعدما تحولت العلاقة بين القاهرة وبكين من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تتوزع مجالاتها بين الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والثقافة والدفاع.
وبذلك، لا تأتي زيارة شي جين بينج إلى القاهرة باعتبارها مجرد محطة دبلوماسية، وإنما كاختبار جديد لقدرة البلدين على تحويل مستوى التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي وتنموي أكثر عمقًا خلال السنوات المقبلة.