لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران يقتصر على البرنامج النووي أو ترتيبات الأمن الإقليمي، بل امتد إلى إعادة فتح صفحات من التاريخ لا تزال تلقي بظلالها على حاضر العلاقات بين البلدين.
فمع استحضار طهران انقلاب عام 1953 في خضم المفاوضات الجارية، يتجدد الجدل حول تأثير الماضي في رسم ملامح أي اتفاق مستقبلي، وما إذا كان الاعتراف بالإرث التاريخي أصبح جزءًا من معادلة التفاهم بين الطرفين.
التاريخ يعود إلى طاولة التفاوض
في توقيت بالغ الحساسية، أعادت ايران فتح أحد أكثر ملفاتها
التاريخية حساسية مع الولايات المتحدة، مستحضرة انقلاب عام 1953 الذي أطاح برئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، في خطوة تعكس رغبة طهران في ربط المفاوضات الحالية بجذور الصراع التاريخي، وليس فقط بالملف النووي أو القضايا الأمنية الراهنة.
وفي هذا الإطار قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، ل”القصة” إن توظيف وزارة الخارجية الإيرانية لحادثة انقلاب عام 1953 في بيانها الأخير لا يُعد استدعاءً تاريخيًا عابرًا، وإنما يمثل خطابًا سياسيًا مدروسًا يهدف إلى تأطير الأزمة الحالية باعتبارها امتدادًا لمظلومية تاريخية متراكمة، وليس مجرد خلاف مرتبط بالبرنامج النووي.
وأوضح أن هذا النهج يزيد من تعقيد المفاوضات الجارية، ويضع الولايات المتحدة أمام مطالبة غير مباشرة بالاعتراف بأخطاء الماضي قبل الوصول إلى أي تسوية مستقبلية.
الانقلاب من منظور القانون الدولي
وأشار مهران إلى أن حداث اغسطس 1953 أصبحت موثقة في مصادر أمريكية، موضحًا أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية دعمت الانقلاب الذي أطاح بمحمد مصدق عقب قراره تأميم قطاع النفط، وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى الحكم.
وأضاف أن هذه الواقعة تمثل، وفقًا لقواعد القانون الدولي، انتهاكًا واضحًا لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو المبدأ المنصوص عليه في المادة الثانية، الفقرة السابعة، من ميثاق الأمم المتحدة، كما أكده إعلان مبادئ القانون الدولي الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970 بموجب القرار رقم 2625.
إرث تاريخي يصنع أزمة ثقة
وأكد مهران أن انقلاب 1953 ظل أحد أبرز مرتكزات الذاكرة السياسية الإيرانية، وأسهم في ترسيخ حالة من الشك العميق تجاه السياسات الأمريكية.
وأضاف أن تراكم الأزمات، بداية من دعم واشنطن للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بالعقوبات الاقتصادية المتصاعدة، ثم الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، وصولًا إلى التطورات الراهنة، عزز الرواية الإيرانية التي تعتبر أن السياسة الأمريكية لم تتغير جذريًا منذ ذلك التاريخ.
رسائل تفاوضية تتجاوز الملف النووي
وأوضح مهران أن استحضار هذا الملف التاريخي في هذا التوقيت يحمل أهدافًا تفاوضية واضحة، إذ تسعى طهران إلى رفع سقف مطالبها لتشمل ضمانات تتعلق باحترام السيادة الإيرانية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وليس الاكتفاء بالتفاهمات الخاصة بالبرنامج النووي.
ولفت إلى أن هذا التوجه ينسجم مع مطالبة إيران بإدراج التزامات واضحة بعدم التدخل ضمن أي تفاهم مستقبلي مع الولايات المتحدة.
مصالحة مستحيلة دون الاعتراف بالماضي
واختتم الدكتور محمد محمود مهران بالتأكيد على أن أي تسوية دائمة بين واشنطن وطهران لن تحقق الاستقرار ما لم يصاحبها اعتراف، ولو بصورة ضمنية، بأن جذور العداء بين البلدين تعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية، وأن للولايات المتحدة دورًا تاريخيًا في تشكيل هذا المسار.
وأكد أن التاريخ في هذه الحالة ليس مجرد سرد للماضي، بل عنصر أساسي في بناء الثقة وتهيئة الأرضية لأي مصالحة مستقبلية بين الجانبين.