قد تبدو دعوة العشاء الدبلوماسية في ظاهرها مجرد مناسبة اجتماعية، مائدة تجمع بعض الشخصيات العامة بسفير، وحديث عن السياسة والعلاقات الدولية، ثم ينتهي اللقاء كما بدأ، لكن خلال الفترة من يونيو إلى أوائل أغسطس، تلقى الدكتور أيمن منصور ندا نحو عشر دعوات من هذا النوع، جمعته بسفراء دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية، في لقاءات اختلفت تفاصيلها، بينما تشابهت الأسئلة التي دارت حول مصر.
اقتصاد البلاد كان حاضرًا في الأحاديث، إلى جانب السياسة وقدرة المجتمع على تحمل الضغوط. لم يحمل أي من هذه اللقاءات، بحسب رواية ندا، رسالة مباشرة عن أزمة وشيكة، ولم يتلقَّ تحذيرًا محددًا أو معلومة عن قرار مرتقب، لكن تكرار الأسئلة خلال فترة زمنية قصيرة ترك انطباعًا بأن ما يحدث في مصر يحظى باهتمام يتجاوز حدود النقاش العابر.
وبينما بقيت تلك الأحاديث خلف أبواب مغلقة، بدأ خطاب آخر يظهر في العلن، فخلال الأيام الماضية، توالت تحذيرات إعلامية من صعوبة المرحلة الاقتصادية المقبلة، وتحدث إعلاميون عن ضرورة الاستعداد لضغوط جديدة، فيما دعا بعضهم المواطنين صراحة إلى «ربط الأحزمة». وفي الخلفية، كانت أسعار الطاقة العالمية، وتكاليف التمويل، ومستويات التضخم والديون، تضيف مزيدًا من الضغوط إلى المشهد الاقتصادي، فهل نحن أمام مؤشرات فعلية على أزمة اقتصادية جديدة؟
في حديثه سابقًا لـ«القصة»، وضع الدكتور أيمن منصور ندا، الأستاذ السابق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، حدودًا واضحة لما يعرفه وما لا يعرفه. يؤكد أنه لا يمتلك معلومات مؤكدة بشأن ما قد تشهده مصر خلال أكتوبر أو نوفمبر، ولا يريد أن تتحول انطباعاته إلى توقعات أو نبوءات.
وبحسب ندا، فإن ما كتبه لم يستند إلى معلومة سرية أو إخطار تلقاه من أحد، وإنما جاء نتيجة انطباع تكون لديه عبر سلسلة من اللقاءات التي جمعته خلال الأشهر الماضية بعدد من السفراء والمسؤولين الدبلوماسيين. ويقول إن الدعوات لم تتوقف، بل إن بعضها جاء بعد نشر مقاله، وهو ما دفعه إلى الاستمرار في طرح الأسئلة، لا إلى تقديم إجابات قاطعة.
ويرى ندا أن هناك احتمالين لما لمسه خلال هذه اللقاءات؛ الأول أن تكون لدى بعض الأطراف معلومات لا تستطيع الإفصاح عنها، والثاني أن تكون اللقاءات في إطار محاولة لجمع المعلومات وقراءة المزاج العام داخل مصر. لكنه يؤكد أنه لا يستطيع الجزم بأي من التفسيرين.
اللافت بالنسبة إلى ندا لم يكن مجرد السؤال عما سيحدث، وإنما طبيعة بعض الأسئلة التي طُرحت عليه؛ إذ يقول إن جزءًا منها كان يدور حول رد فعل المصريين إذا وقع تطور أو واجهت البلاد أزمة ما. وهو ما قرأه باعتباره مؤشرًا على وجود حالة من القلق أو الترقب، دون أن يعتبر ذلك دليلًا على حدث محدد قادم.
بين التحذيرات والمؤشرات.. ماذا يقول الاقتصاد؟
الصورة التي يرسمها صندوق النقد الدولي أكثر تعقيدًا من سيناريو «أزمة قادمة» أو «انفراجة كاملة». ففي نهاية يوليو، استكمل الصندوق المراجعة السابعة لبرنامج مصر، بما أتاح للقاهرة سحب نحو 1.5 مليار دولار من تسهيل الصندوق الممدد، ونحو 272 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة. وفي الوقت نفسه، أكد الصندوق أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على الصمود أمام الصدمات الإقليمية، مع نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، وبلوغ النمو خلال الأشهر التسعة الأولى 5.2%.
لكن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي قائمة الضغوط التي حددها الصندوق. فالتوقعات تشير إلى تباطؤ النمو إلى 4.4% خلال السنة المالية 2026/2027، بينما يُتوقع ارتفاع التضخم إلى متوسط 16.7% خلال النصف الثاني من 2026، بفعل ارتفاع أسعار الطاقة وآثار تغير سعر الصرف وعوامل أخرى مرتبطة بالأساس الإحصائي. كما حذر الصندوق من استمرار مخاطر مرتبطة بارتفاع الدين العام واحتياجات التمويل وإعادة التمويل، إلى جانب استمرار الدور الكبير للدولة في الاقتصاد.
وكان التضخم قد ارتفع إلى 15.2% في مارس 2026 قبل أن يتراجع إلى 14.3% في يونيو، وفق بيانات الصندوق. وفي المقابل، ظل التضخم الأساسي مرتفعًا عند المستوى نفسه في يونيو، وهو ما يعكس استمرار ضغوط الأسعار رغم التراجع الذي شهدته القراءة العامة.
هل يدخل التعديل الوزاري على الخط؟
في موازاة الحديث الاقتصادي، برزت خلال الفترة الماضية تكهنات بشأن احتمال إجراء تعديل وزاري، وما إذا كانت بعض الحقائب ستشهد تغييرًا خلال المرحلة المقبلة. لكن إعلان عقد مؤتمر حكومي موسع في أكتوبر لتقديم كشف حساب عن أداء الحكومة وما أنجزته أعاد ترتيب الأسئلة من جديد: هل يمثل المؤتمر مجرد مناسبة لاستعراض ما تحقق، أم أنه محطة يمكن من خلالها قراءة شكل المرحلة الحكومية المقبلة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن الحديث عن الاقتصاد لا ينفصل عن طريقة إدارة الحكومة للملفات التي يضعها صندوق النقد ضمن أولويات المرحلة، من ضبط المالية العامة وإدارة الدين، إلى إصلاحات هيكلية وتقليص الدور الاقتصادي للدولة وتسريع برنامج التخارج.
ويرى ندا أن إعلان عقد المؤتمر الحكومي في أكتوبر يمثل، من وجهة نظره، أحد التطورات التي تستحق المتابعة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أنه كان يعرف مسبقًا بموعد المؤتمر أو بنتائجه. بالنسبة إليه، الأمر يظل جزءًا من سلسلة تطورات جعلته يعيد التفكير في الأسئلة التي طُرحت عليه خلال لقاءاته مع الدبلوماسيين.
هلال عبد الحميد: المشكلة ليست في تغيير الأشخاص
من زاوية سياسية مختلفة، يقرأ هلال عبد الحميد، رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، حالة القلق حول المستقبل باعتبارها مرتبطة، في تقديره، بالضغوط التي يتحملها المواطنون، ويرى أن التعامل مع هذه الضغوط لا ينبغي أن يقتصر على تغيير أسماء الوزراء، وإنما يتطلب مراجعة أوسع للسياسات وآليات إدارة الملفات الاقتصادية والسياسية.
ويقول عبد الحميد إن المواطن أصبح يتحمل جانبًا كبيرًا من أعباء الدولة، سواء من خلال الضرائب أو التدفقات المالية القادمة من المصريين العاملين بالخارج، بينما يرى أن تنمية بعض مصادر الإيرادات الأخرى، مثل الصادرات والسياحة وإيرادات قناة السويس، لا تزال دون المستوى الذي يتوقعه.
وفي ما يتعلق بتحويلات العاملين بالخارج، فإن الرقم الرسمي بالفعل وصل إلى مستوى قياسي؛ إذ أعلن البنك المركزي أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج بلغت نحو 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 29.6% عن العام السابق.
ويرى المهندس أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، أن الأزمات الاقتصادية ليست حتمية النتائج، وإنما تتوقف تداعياتها على طريقة إدارتها، مشيرًا إلى أن دولًا تعيش أزمات وحروبًا ممتدة استطاعت الحد من آثارها عبر سياسات أكثر كفاءة.
ويقول لـ«القصة» إن العبء الاقتصادي في مصر يقع، بحسب تقديره، بصورة أكبر على الفقراء ومحدودي الدخل، بينما تظل الفئات الأكثر ثراءً أقل تأثرًا، معتبرًا أن ذلك يعكس خللًا في العدالة الاجتماعية وإدارة الأزمة. كما يرى أن مصر تواجه أزمة فعلية لا يمكن تفسيرها بالكامل بالعوامل العالمية، وإنما ترتبط أيضًا بما يصفه بسوء الإدارة وتبديد الموارد.
ويعتبر شعبان أن الخطاب الإعلامي القريب من السلطة يركز على الأزمات الاقتصادية العالمية بما قد يصرف الانتباه عن أسباب المشكلات الداخلية والسياسات المسؤولة عنها، مؤكدًا أن الحل من وجهة نظره يبدأ بتحديد أسباب الأزمة ومعالجتها بدلًا من تحميل المواطنين أعباء إضافية.
ويحذر من أن استمرار الضغوط الاقتصادية على المواطنين قد يدفع إلى ردود فعل يصعب احتواؤها، قائلًا إن المجتمع تحمل أعباء كبيرة خلال السنوات الماضية، وإن زيادة هذه الأعباء قد تقود إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها.
ويقول الخبير الاقتصادي زهدي الشامي إنه لا يستطيع الجزم بما يستند إليه الحديث المتزايد عن أزمة اقتصادية وشيكة تستمر حتى نهاية العام، مشيرًا إلى أن تحذيرات مشابهة صدرت عبر برامج «توك شو» قبل نحو عام، دون أن تتطور إلى السيناريوهات التي جرى التحذير منها.
ويرى الشامي أن موجة التحذيرات الحالية قد تكون مرتبطة بتمهيد الرأي العام لزيادات جديدة في الأسعار، خاصة أسعار الطاقة، مشيرًا إلى تصريحات سابقة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن زيادات محتملة، وربط ذلك، بحسب تقديره، بالتزامات مصر ضمن برنامجها مع صندوق النقد الدولي. ويضيف أن استمرار الضغوط على إمدادات الطاقة قد ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات.
ويؤكد الشامي أن الخطاب الإعلامي الذي يسبق أي زيادات محتملة قد يسهم، في تهيئة المواطنين لتقبلها، منتقدًا استمرار صعود الأسعار دون تراجع مماثل عند تحسن الظروف.
ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار والتضخم يمثلان ضغطًا متزايدًا على المواطنين، معتبرًا أن السياسات الحكومية لم تنجح، بحسب تقييمه، في احتواء هذه الضغوط بصورة كافية، ويحذر من أن قدرة المواطنين على تحمل مزيد من الأعباء أصبحت محدودة.