في بلد لا يزال ملف الكهرباء حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، من انقطاعات الصيف إلى تكلفة تشغيل محطات التوليد، يبدو مشروع الربط الكهربائي مع السعودية أكبر من مجرد خط لنقل الطاقة بين دولتين. فالمشروع الذي يستهدف تبادل 3 آلاف ميجاوات في أوقات الذروة، يفتح أمام مصر فرصة للاستفادة من اختلاف أنماط الاستهلاك بين البلدين، وتقليل تكلفة إنتاج الكهرباء، وربما توسيع دورها في تجارة الطاقة إقليميًا.
لكن خلف الأرقام التي تبدو واعدة، تظل هناك أسئلة تتعلق بكلفة المشروع، وجدواه الاقتصادية، وطبيعة الطاقة التي ستنتقل عبره، ومدى قدرة مصر على تحويل الربط الكهربائي إلى مدخل لتصدير الكهرباء إلى أسواق أبعد، خصوصًا أوروبا. فهل يمثل المشروع خطوة نحو مركز إقليمي حقيقي للطاقة، أم أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب شروطًا فنية واستثمارية لم تتضح بعد؟
أرقام ومكاسب محتملة
بحسب بيانات الصفحة الرسمية لخريطة مشروعات مصر، يستهدف مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي تبادل قدرات تصل إلى 3 جيجاوات خلال أوقات الذروة، ليصبح أحد أكبر مشروعات الربط الكهربائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويمتد المشروع لمسافة تصل إلى 1350 كيلومترًا من الخطوط الهوائية والكابلات البحرية، مستهدفًا تعزيز الاستفادة من الشبكتين الكهربائيتين، اللتين تتجاوز قدرتهما الإجمالية 140 ألف ميجاوات. كما تشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق وفورات مالية تصل إلى 600 مليون دولار سنويًا، من خلال تقليل الاعتماد على الغاز المسال المستورد لتشغيل محطات التوليد التقليدية مرتفعة التكلفة.
وتشير التقديرات المنشورة للمشروع إلى أن العائد على الاستثمار قد يصل إلى 20% عند تشغيل خط الربط بكامل طاقته، مع إمكانية استرداد رأس المال خلال نحو 8 سنوات، وفقًا لمعدلات التشغيل وتبادل الكهرباء.
لكن هذه المكاسب المحتملة لا تلغي التحديات المرتبطة بالتنفيذ والتشغيل. فالمشروع يتطلب مد كابلات بحرية عبر خليج العقبة، من بينها كابل بطول 22 كيلومترًا، وهو ما يستلزم إجراءات دقيقة لحماية البيئة البحرية والشعاب المرجانية من الآثار المؤقتة لأعمال الحفر ومد الكابلات.
كما أن امتداد خطوط النقل لمسافات طويلة يجعل استقرار الشبكة مسألة أساسية، إذ يمكن لأي عطل فني كبير أو انقطاع مفاجئ أن يؤثر في تدفقات الكهرباء بين البلدين، خصوصًا إذا كانت الشبكة المستقبلة تعتمد على القدرات المستوردة لتغطية أحمال الذروة.
ويعتمد المشروع على تكنولوجيا التيار المستمر عالي الجهد (HVDC)، التي تتيح نقل الكهرباء لمسافات طويلة بكفاءة، لكنها تتطلب خبرات فنية متخصصة وبرامج صيانة دورية، لا سيما في الكابلات البحرية والمناطق الصحراوية ذات درجات الحرارة المرتفعة.
وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 1.8 مليار دولار، فيما تشير البيانات إلى أن نصيب الجانب المصري يتراوح بين 540 و600 مليون دولار، مع الاعتماد على تمويلات من مؤسسات وصناديق تنموية عربية ودولية، وهو ما يضيف التزامات مالية طويلة الأجل تستدعي تقييم العائد الفعلي من المشروع.
لماذا تحتاج مصر إلى الربط؟
يرى خبير الطاقة راغب ثروت أن مشروع الربط الكهربائي مع السعودية يأتي ضمن توجه مصري أوسع لتحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، سواء في مجالات البترول والغاز أو الكهرباء، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الإنتاجية وشبكات الربط القائمة مع عدد من الدول.
وأوضح أن أهمية الربط لا تقتصر على نقل الكهرباء من دولة إلى أخرى، وإنما تمتد إلى تحقيق التوازن بين احتياجات الشبكات خلال فترات الذروة، بما يسمح لكل طرف بالاستفادة من قدرات التوليد المتاحة لدى الطرف الآخر، بدلًا من إنشاء محطات إضافية لا تعمل إلا لساعات محدودة.
وأضاف أن مصر سبق أن قدمت الكهرباء لدول أخرى، من بينها ليبيا، مشيرًا إلى أن مصر والسعودية تمثلان معًا نحو 60% من إجمالي قدرات إنتاج الكهرباء في المنطقة العربية، وهو ما يمنح المشروع أهمية خاصة على مستوى التعاون الإقليمي.
وبحسب ثروت، يبلغ طول خطوط الربط نحو 1350 كيلومترًا، بقدرة تصل إلى 3 آلاف ميجاوات، فيما تقدر الاستثمارات بنحو 1.8 مليار دولار، تتحمل مصر منها قرابة 540 مليون دولار، مع مشاركة البنك الإسلامي للتنمية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في التمويل.
وأشار إلى أن الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي في تشغيل محطات الكهرباء المصرية، والذي يقدر بنحو 70% من الوقود المستخدم، يجعل تبادل الطاقة فرصة لتقليل تكاليف التشغيل، خصوصًا في الفترات التي ترتفع فيها معدلات الاستهلاك.
ولا ينفصل ذلك عن مشروعات الربط الأخرى التي تعمل عليها مصر مع الأردن والسودان وليبيا، إلى جانب خطط الربط مع السعودية وقبرص واليونان، فضلًا عن التوسع في مصادر الطاقة المختلفة، مثل الطاقة الشمسية والنووية والكهرومائية والهيدروجين الأخضر.
لكن الرهان على هذه المشروعات لا يتعلق بعدد خطوط الربط وحده، وإنما بقدرة مصر على تحديد طبيعة الطاقة التي يمكن تصديرها، وتوقيتات التصدير، والأسواق التي يمكن أن تحقق معها أفضل عائد اقتصادي.
هل يخدم الطاقة المتجددة؟
على خلاف الرؤية التي تربط مشروع الربط المصري السعودي بإمكانية التوسع في تصدير الكهرباء المنتجة من مصادر الطاقة المتجددة، يرى خبير الطاقة المتجددة هاني النقراشي أن الربط بين الشبكات الكهربائية يستهدف بالأساس خفض تكلفة الاعتماد على محطات التوليد التقليدية، ولا يعني بالضرورة أن يكون وسيلة مباشرة لتبادل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأوضح أن الكهرباء يجب أن تتوافر في التوقيت الذي يحتاجه المستهلك، بينما يتأثر إنتاج الطاقة الشمسية والرياح بالظروف الطبيعية، وهو ما يجعل الاعتماد عليها وحدها في تلبية طلب محدد وفي توقيت ثابت أمرًا صعبًا.
وأشار إلى أن محطات الطاقة الشمسية الحرارية المزودة بأنظمة تخزين يمكنها، من وجهة نظره، تجاوز هذه المشكلة، لأنها تتيح الاحتفاظ بالطاقة واستخدامها لاحقًا، بما يسمح بتوفير الكهرباء ليلًا أو خلال فترات انخفاض الإشعاع الشمسي.
وفي هذا السياق، طرح النقراشي تصورًا يعتمد على ما يعرف بمخطط «خميسة»، باعتباره نموذجًا لمحطات يمكنها إنتاج الكهرباء وتخزينها، ثم ضخها وفقًا لاحتياجات الشبكات المستقبلة، بدلًا من ارتباط التصدير بتوقيت إنتاج الطاقة المتجددة فقط.
كما تحفظ على فكرة إنشاء شبكة كهربائية إقليمية ضخمة تمتد من إفريقيا إلى آسيا، معتبرًا أن الاتجاه الأكثر ملاءمة من وجهة نظره هو الاعتماد على الشبكات الصغيرة، التي يمكن عزل الجزء المتضرر منها عند وقوع أعطال أو هجمات سيبرانية، دون أن يؤدي ذلك إلى توقف الشبكة بأكملها.
واستشهد بما يحدث في أوكرانيا، حيث يمكن أن تصبح الشبكات الكبيرة أهدافًا للهجمات، بينما تتيح الشبكات الأصغر قدرًا أكبر من المرونة، من خلال فصل المناطق المتضررة وإصلاحها دون التأثير على باقي منظومة الإمداد.
أوروبا والسعودية.. فرصة مشروطة
يتجاوز النقاش حول مستقبل الربط الكهربائي المصري السعودي حدود تبادل الطاقة بين البلدين، ليصل إلى سؤال آخر: هل يمكن لمصر أن تستفيد من فائض إنتاج الكهرباء الشمسية والرياح لتصديره إلى السعودية، ثم تمرير جزء منه إلى أوروبا عبر مشروعات الربط المستقبلية؟
يرى النقراشي أن تحقيق هذا السيناريو يرتبط أولًا بطبيعة الكهرباء نفسها، باعتبارها سلعة لا يمكن تخزينها بسهولة في الشبكات التقليدية، ويجب أن يتزامن إنتاجها مع استهلاكها، وإلا يصبح فائض الإنتاج عبئًا على استقرار الشبكة.
وضرب مثالًا بألمانيا، التي تواجه تحديات مرتبطة بتقلب إنتاج الطاقة المتجددة، إذ تتباين كميات الكهرباء المنتجة من الرياح والشمس بحسب الظروف الجوية وتوقيتات اليوم، ما يؤدي أحيانًا إلى فائض في الإنتاج، وفي أوقات أخرى إلى نقص حاد، خصوصًا خلال فترات هدوء الرياح والغياب المتزامن لأشعة الشمس، المعروفة باسم «هدوء الريح المظلم».
وأضاف أن هذه التقلبات تفرض تحديات على الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة المتجددة، خصوصًا مع محدودية قدرات تخزين الكهرباء، وهو ما يجعل توفير إمدادات مستقرة ضرورة للقطاعات الصناعية.
وبحسب تصوره، يمكن لمصر الاستفادة من اختلاف مواسم الذروة بين أوروبا والسعودية؛ إذ يرتفع الطلب الأوروبي على الكهرباء خلال الشتاء، بينما تشهد السعودية زيادة في الاستهلاك خلال الصيف، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استخدام أجهزة التبريد.
ويرى أن هذا الاختلاف يتيح لمصر تشغيل محطات مخصصة للتصدير على مدار العام، بحيث تتجه الكهرباء إلى أوروبا خلال الشتاء، وإلى السعودية خلال الصيف، وفقًا لاحتياجات كل سوق.
من يتحمل تكلفة الذروة؟
ولتوضيح الفكرة، طرح النقراشي مثالًا افتراضيًا لاحتياجات السعودية من الكهرباء، التي قد تصل إلى 40 جيجاوات خلال الشتاء، وترتفع إلى 48 جيجاوات في أوقات الذروة الصيفية.
وفي هذه الحالة، تحتاج السعودية إلى توفير قدرات إنتاجية تكفي لتغطية أعلى مستويات الاستهلاك، أي 48 جيجاوات، حتى لا تتعرض الشبكة لانقطاعات خلال الصيف، رغم أن جزءًا من هذه القدرات، يقدر بنحو 8 جيجاوات، قد لا يعمل إلا لمدة خمس ساعات يوميًا خلال موسم الذروة.
ويعني ذلك، وفقًا للمثال الذي طرحه، تحمل تكلفة إنشاء قدرات إنتاجية إضافية لا تحقق الاستفادة نفسها طوال العام، وهو ما يضعف اقتصاديات تشغيلها.
وينطبق الأمر بصورة معاكسة على ألمانيا، التي ترتفع احتياجاتها من الكهرباء خلال الشتاء، ما يضطرها إلى توفير قدرات إضافية لتغطية فترات الاستهلاك المرتفع، حتى لو لم تكن هناك حاجة إليها خلال بقية العام.
ومن هنا يطرح النقراشي تصورًا لتبادل الكهرباء بين السعودية وأوروبا عبر مصر، بحيث تستفيد كل دولة من قدرات التوليد المتاحة في توقيتات ارتفاع الطلب لديها، بدلًا من إنشاء محطات إضافية لتغطية ساعات الذروة فقط.
ويعتبر أن الموقع الجغرافي لمصر، إلى جانب إمكاناتها في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، يمكن أن يمنحها دور الوسيط في هذا النموذج، بشرط تطوير محطات قادرة على التخزين والتوريد وفقًا للطلب.
اختبار الجدوى المصرية
يختتم النقراشي تصوره بأن إنشاء محطات شمسية حرارية مزودة بأنظمة تخزين، ومخصصة لتصدير الكهرباء، يمكن أن يتيح لمصر العمل على تلبية احتياجات أسواق مختلفة خلال فصول السنة، بما يرفع معدلات تشغيل المحطات ويحسن جدواها الاقتصادية.
ويشترط لتحقيق ذلك أن تكون محطات التصدير منفصلة عن الشبكة الوطنية المصرية، بحيث لا تتداخل تكاليف التشغيل والصيانة أو آليات تسعير الكهرباء الموجهة للأسواق الخارجية مع احتياجات المستهلك المحلي.
لكن هذا التصور يظل رؤية طرحها الخبير، وليس نتيجة مضمونة لمشروع الربط الكهربائي الجاري تنفيذه. فتحقيقه يحتاج إلى استثمارات إضافية، وبنية تحتية مناسبة، وقدرات تخزين، واتفاقات تجارية تضمن وجود طلب مستمر على الكهرباء المصدرة.
وبين المكاسب المحتملة التي تتيحها وفورات الوقود وتبادل الكهرباء، والتحديات المرتبطة بالتمويل والتكنولوجيا واستقرار الشبكات، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بكيفية توزيع عوائد المشروع وتكاليفه.
فنجاح الربط الكهربائي المصري السعودي لا يقاس فقط بقدرته على نقل 3 آلاف ميجاوات بين البلدين، وإنما بما ستجنيه مصر من هذه القدرات، ومدى انعكاس العائد الاقتصادي على قطاع الكهرباء والمستهلك المحلي، وقدرتها على بناء موقع تنافسي في سوق الطاقة الإقليمية. فهل تتحول مصر بالفعل إلى مركز لتجارة الكهرباء بين الشرق والغرب، أم يظل هذا الدور مرهونًا بمشروعات واستثمارات وشروط تشغيل لم تتحقق بعد؟