قال الجغرافي والمفكر المصري جمال حمدان، في كتابه «ليبيا: دراسة في الجغرافيا السياسية»، إن ليبيا تظل مدخل المغرب العربي وبوابة المشرق، دون تعارض بين البعدين، فهي تمد يدًا إلى الأول وأخرى إلى الثاني، وتضع قدمًا هنا وأخرى هناك. كما رأى أن رسالتها التي تؤهلها لها الجغرافيا ويرشحها لها التاريخ، تتمثل في أن تكون مفاعلًا وحدويًا بين المغرب والمشرق، وأن قدرها هو الجمع بينهما، شعبيًا أو رسميًا.
ولم يكن هذا التصور مجرد توصيف جغرافي لموقع ليبيا، بل عبّر عن وظيفة استراتيجية تتجاوز حدود الدولة الليبية ومواردها، وتمنحها دورًا محوريًا في معادلات التوازن العربي والإقليمي.
ويقدم التاريخ شواهد واضحة على هذا الدور، لعل أبرزها حرب أكتوبر 1973، التي لم يقتصر فيها الدعم الليبي لمصر على الجانبَين العسكري والمادي، بل امتد إلى توظيف الموقع الجغرافي في خدمة المعركة العربية؛ إذ أدت الأراضي الليبية دورًا مهمًا في عبور القوات والمعدات الجزائرية المتجهة إلى مصر للمشاركة في الحرب.
كما مثلت الجغرافيا الليبية جسرًا لوصول المساعدات المصرية إلى ليبيا خلال مراحل نضالها وتأسيس دولتها وجيشها، فضلًا عن الدعم المصري والليبي للجزائر في ثورتها ضد المحتل. وهكذا كانت ليبيا شريانًا يربط جناحي الوطن العربي، في محطات تجاوزت التضامن السياسي إلى التكامل العملي بين الجغرافيا والإرادة الوطنية.
لكن الأيام الماضية شهدت تصعيدًا في الخطاب المعادي لمصر والجزائر داخل الساحة الليبية، قادته لجان محسوبة على شرق ليبيا، روجت مزاعم بشأن وجود أطماع مصرية وجزائرية في الأراضي الليبية، وذهبت إلى اتهام البلدين بتهديد السيادة الليبية.
ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن محاولات شهدتها المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، صاحبتها خلافات سياسية وحملات إعلامية ونعرات متبادلة استهدفت إضعاف الروابط بين الشعوب، خصوصًا في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد وما ترتب عليها من انقسامات عربية على خلفية الصراع العربي الإسرائيلي، حتى وصلت التداعيات إلى الدعوة لعزل مصر عن محيطها العربي.
وعلى الرغم من توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وإسرائيل، فإنها لم تنجح في تغيير مواقف ووجدان الشعوب المصرية والليبية والجزائرية والتونسية، ولا العقيدة العسكرية السائدة فيها تجاه إسرائيل، باعتبارها كيانًا غاصبًا وعدوًا تاريخيًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة ما تشهده ليبيا في ضوء التحولات الأوسع في شرق المتوسط وشمال إفريقيا، وما يرتبط بها من مصالح إسرائيلية في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
فإسرائيل تنظر إلى المنطقة من منظور يتجاوز حدود المواجهة المباشرة، ليمتد إلى توازنات القوة والتحالفات وممرات الطاقة والوجود العسكري والعلاقات مع دول الجوار. ومن ثم، فإن أي تغير في موازين النفوذ داخل ليبيا أو في طبيعة علاقاتها الإقليمية يكتسب أهمية في حسابات الأطراف الساعية إلى توسيع حضورها في منطقة المتوسط وشمال إفريقيا.
وعلى الرغم من انهيار مؤسسات الدولة الليبية عام 2011، فإن الشعب الليبي وقبائله ومختلف أطيافه ظلوا، وفق هذا الطرح، متمسكين بمواقفهم النضالية التاريخية، ومحافظين على إرث المناضل الشهيد عمر المختار. وقد مثل ذلك إحدى المعضلات أمام القوى الدولية التي أسهمت في إسقاط الدولة الليبية، بينما لم تنجح في تكرار السيناريو نفسه في الجزائر ومصر وتونس.
غير أن انهيار الدولة في ليبيا لم يكن يعني سقوط شعبها، أو تفكك تركيبته النضالية، أو تلاشي وعيه بدوره وبأهمية موقعه الجغرافي.
ومع تعذر تغيير الجغرافيا أو انتزاع ارتباط الشعب الليبي بها، اتجهت القوى الدولية، بحسب رؤية الكاتب، إلى مسار آخر يقوم على تنصيب وكلاء من أصحاب الطموحات في السلطة والثروة، ممن يرتبطون بالغرب، بهدف إحكام السيطرة على الموقع الليبي والتأثير في وجدان شعبه.
ومن خلال هؤلاء الوكلاء، جرى دفع ليبيا إلى دوامة الحرب والاقتتال الداخلي، بما أدى إلى إنهاك المجتمع وإفقاره، وصولًا إلى تهيئة الظروف التي قد تجعله أكثر استعدادًا لقبول أي حلول تُطرح عليه.
وبالتوازي مع إعداد هذه القوى المحلية وتهيئة المبررات والذرائع داخل دوائر الاستخبارات الدولية، تكثفت الجهود الرامية إلى تفكيك الوجدان الشعبي، عبر نشوء طبقات ترتبط مصالحها ومصادر ثرائها بجهات غربية أو وكلاء عنها، إلى جانب إحياء الهويات الفرعية وتحويل الاختلافات الثقافية والعرقية والجهوية إلى مسارات للصراع السياسي.
ولم تتوقف محاولات التفكيك عند هذا الحد، بل امتدت، وفق رؤية الكاتب، إلى طرح ملف توطين أتباع ديانات أخرى تحت عناوين مرتبطة بالهجرة غير الشرعية.
كما أُعيد فتح ملف اليهود الليبيين، الذين يقدر عددهم بنحو 40 ألفًا، وهاجروا من ليبيا سابقًا إلى تل أبيب، من خلال استدعاء ذكرياتهم عبر منصات التواصل الاجتماعي في بنغازي والجبل الأخضر شرقي ليبيا، مصحوبة بتلميحات بشأن حقوق مزعومة لهم داخل الأراضي الليبية.
ومن هنا، تتجلى خطورة المعركة الدولية على مستقبل ليبيا في احتمال انتزاع دورها التاريخي بوصفها جسرًا يصل المشرق بالمغرب، وتحويلها إلى حاجز جغرافي ومنطقة عازلة تفصل بينهما.
وانطلاقًا من ذلك، فإن التحركات التي تستهدف إرباك الشعب الليبي وضرب وحدته الوجدانية وإضعاف شعوره بالانتماء إلى كيان وطني جامع، تصب في اتجاه الحيلولة دون تشكل إرادة وطنية موحدة قادرة على اتخاذ موقف مشترك إذا قررت القوى الدولية استهداف مصر أو الجزائر لاحقًا، ثم التوجه إلى ليبيا بعد عزلها عن عمقها الاستراتيجي في مصر والجزائر وتونس.