نحن نعيش حالة من الوعي الزائف، التائه، والمشتت والمشوه، الذي يشمل معظم جوانب حياتنا الراهنة. لقد طال هذا النوع من الوعي تعليمنا وثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا المحترمة. فقدنا البوصلة، وفقدنا معها الاتجاه، ولم نعد نعرف أي طريق نسلك، وإلى أي هدف نسعى.
إن المحاولات الدؤوبة لانتزاع النقاء الوطني، وبث روح الخمول، وتسطيح الوعي، وخلط الرؤى والمفاهيم، وتجفيف الحماس وقتل العزيمة، هي محاولات ترصد كل همسة في بلادنا التي كانت يومًا ما تحتل الريادة العربية في نسختها الحية؛ إذ كنا قاطرة الثقافة والعلم والفن والذوق، باقتدار وامتياز، وقد ارتقينا قمة تطلعت إليها كل الشعوب المجاورة، التي ظلت تحلم لسنوات طويلة بأن تقترب من تلك القمة، لكنها لم تفلح.
فقد كانت التجربة الوطنية المصرية الناشئة، مع اشتعال ثورة 1919 ونموها ونضجها عبر سنوات ممتدة، تجربة هب فيها المصريون يتألقون ويتميزون. ولم تكن مجرد ثورة تنقضي بعودة أهلها إلى ديارهم، لكنها ما انفكت تفجر في المصريين روح الوطنية الخالصة، والرغبة العارمة في التأصيل لكل ما هو مصري في العلوم والآداب والفنون والاقتصاد، مدفوعة بروح الاستقلال ومضاء العزيمة.
وكأن مصر، بين عشية وضحاها، تحولت إلى وطن جديد يرتدي ثياب العافية والقوة. تلك الروح هي التي استشعرت بقوة ما طرأ على المجتمع المصري بعد ذلك من مظاهر الفساد السياسي، على أيدي أحزاب انحرفت عن المسار الوطني المخلص لقضايا المصريين، وراحت تتواءم مع الاستعمار وتتخذ منه سندًا مخزيًا للبقاء، وتوالي القصر الملكي رغبة في تصدر المشهد السياسي والحفاظ على المكانة الطبقية، ولو كان ذلك على جثث المصريين.
وقد تمرد المصريون بدورهم على هذه الأوضاع المتردية، وواجهوها بكل وسائل النضال، حتى قامت ثورة يوليو 1952، التي وجهت ضربتها الموجعة إلى القصر وعملائه. فجاءت التجربة الناصرية الواعية لتعيد تشكيل الوطن، ليستعيد ريادته بقوة على المستويين العربي والدولي، وصارت مصر كعبة للأحرار القادمين إليها من مشارق الأرض ومغاربها.
إلا أن مؤامرات الداخل والخارج لضرب مصر في مقتل، إلى جانب أخطاء لم تُصحح في مسيرة الثورة، عجلت بخفوت هذه التجربة الرائدة، بفعل ممارسات التشويه الموجه والهدم المنظم لتلك الروح الوطنية المتألقة والعظيمة، حتى آلت إلى ما هي عليه في وقتنا الراهن من تشتت وضياع وخنوع. فخبا الوعي، وانطفأت مشاعل الحماس والعزائم المتقدة.
وإن أخطر ما تعيشه الجماهير هو غياب وعيها تحت وطأة معاول شتى، ما لبثت تقصيها بعيدًا في متاهات التغريب والصهينة والأمركة. ومن ثم، بتنا في حاجة ماسة إلى خَلق وعي جديد، وفق كتاب مسطور يحمل مبادئ وقيمًا مصرية خالصة، يترجمها الشعب في واقعه الحي، من خلال بث هذا الكتاب المتوافق عليه من قِبل القوى الوطنية المخلصة، في مدارسنا ومعاهدنا ومؤسساتنا وجامعاتنا ووسائل إعلامنا ودور ثقافتنا.
ولا شك أن خَلق الوعي الوطني العميق لن يتحقق بين يوم وليلة، إذ إنه معركة بعيدة المدى، تستوجب الالتفاف الوطني والتوافق حول خوض معركة التثقيف الجماهيري وفق خطة محكمة، تنهض على مبدأي المواطنة واللاطبقية، وتتيح للجميع المشاركة في خَلق الوعي، كل مواطن وفق قدراته، في جو من التعاون المثمر، بحيث تتحرر جميع طاقات الجماهير العريضة من جراثيم الخمول واليأس من التغيير.
وتنطلق الجماهير نحو تنمية قدراتها في إطار تثقيف شعبي قادر على تفجير الطاقات المتنوعة، للإعلاء من قيمة المواطن بوصفه الصانع الحقيقي للنهضة، واستشعار تحرره من كل القيود التي تحد من إبداعاته الكامنة. ولتكن الأولوية في ذلك للأفكار الحية، لا تلك التي طالما أُعيد تدويرها حتى لم يتبقَّ منها شيء يمكن تدويره.
فخَلق الوعي الجديد جدير بتحقيق استعادة المصري لروحه ومنطقه الخاص به، متكئًا على ما يمتلكه من مخزون حضاري بعيد المدى، يمكن استثماره الاستثمار الأمثل في توجيه المجتمع نحو رؤى نابعة من عقله ووجدانه الجمعي.
فمصادر خَلق الوعي المصري كثيرة ومتنوعة، تمتد إلى تراثه الفرعوني والقبطي والإسلامي. والأمر يحتاج إلى انتقاء واعٍ من مختلف ألوان هذا التراث، بما من شأنه خَلق وعي مصري ذي خصوصية عميقة في أصالته، وفاعل وحيوي في واقعه.
فالوعي الحاضر في حاجة ملحة إلى التهذيب وإقصاء كل العناصر الدخيلة عليه بفعل مطارق العولمة ومسالكها. وهذا العمل ليس بالأمر الهين، فهو يحتاج إلى تكاتف واتفاق وطني متين، لا تلعب فيه أهواء السياسة دورًا، بل يكون الارتقاء بمصر ومستقبلها هو الغاية الوحيدة التي تسمو فوق كل غاية.
فالاستقطاب الاجتماعي الطبقي، الهادف إلى خَلق جزر متفرقة ومنعزلة من الوعي المفارق والمتعالي، يضرب الوعي الجمعي ويضعه في خانات من الانقسام، الذي يتراءى لنا يومًا بعد يوم، ونحن نراه رأي العين ونكتفي فقط بالامتعاض، بينما هو ماضٍ في طريقه نحو تحقيق سيناريو مخيف، عنوانه العريض: «السقوط».