هل يمكن اعتبار موازنة يذهب الجزء الأكبر من إنفاقها لسداد الديون موازنةً للتنمية؟ سؤال يفرض نفسه مع إعلان الحكومة مشروع موازنة 2026/2027، التي احتفت بتحقيق فائض أولي وتحسن مؤشرات المالية العامة، بينما تكشف الجداول نفسها أن خدمة الدين تبتلع النصيب الأكبر من الإنفاق العام.
في هذا السياق، يقرأ الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني الموازنة من زاوية مختلفة، معتبرًا أن الأزمة ليست فيما تخفيه الأرقام، بل فيما تعلنه بوضوح؛ إذ يرى أن الموازنة تعكس استمرار الاعتماد على الاقتراض، وتراجع أولوية الإنفاق على الصحة والتعليم والإنتاج، بما يجعلها -من وجهة نظره- موازنة لإدارة الديون أكثر منها موازنة للتنمية.
يرفض الميرغني فكرة أن الموازنة تخفي أرقامًا أو بيانات، مؤكدًا أن “المشكلة ليست في غياب المعلومات، وإنما في طريقة قراءتها”، ويشير إلى أن وثائق الموازنة نفسها تكشف أن نحو 64% من استخدامات الموازنة مخصص لسداد فوائد وأقساط الديون، بينما تتراجع الأهمية النسبية للإنفاق على الأجور والدعم والتعليم والصحة، سواء من إجمالي المصروفات أو من الناتج المحلي الإجمالي.
وبينما تستند الحكومة إلى تحقيق فائض أولي متزايد باعتباره أحد مؤشرات تحسن المالية العامة، يرى الميرغني أن هذا المؤشر “لا يعكس الصورة الكاملة”، موضحًا أن الفائض الأولي لا يتضمن فوائد الدين، في حين يظل العجز الكلي قائمًا. ويضيف أن العجز المتوقع في موازنة 2026/2027 يبلغ 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني -بحسب قوله- أن أزمة الدين لا تزال تضغط على المالية العامة رغم تحسن بعض المؤشرات المحاسبية.
وفي ما يتعلق بالاقتراض، يرى الميرغني أن مشروع الموازنة لا يقدم إجابة واضحة بشأن كيفية إدارة الديون أو أوجه استخدام القروض الجديدة. ويلفت إلى أن الحكومة تستهدف الحصول على نحو 4 تريليونات جنيه قروض خلال العام المالي الجديد، منها 3.4 تريليون جنيه ديون محلية و594.6 مليار جنيه ديون خارجية.
ويطرح تساؤلًا حول مصير هذه الأموال، قائلًا إن الموازنة لا توضح ما إذا كانت ستوجه إلى استثمارات إنتاجية أم ستستخدم في سداد فوائد وأقساط الديون، التي تتجاوز 5.2 تريليون جنيه خلال العام المالي نفسه.
ولا يقتصر تقييم الميرغني على مؤشرات الدين، إذ يرى أن الحكم على نجاح الموازنة يجب أن يرتبط بمجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. ويقول إن عبء المديونية يتزايد، كما تستمر معدلات التضخم في الارتفاع، بينما يتراجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والصناعة، لصالح الاستثمار العقاري، بالتزامن مع انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار.
وفي ملف الفقر، يشير الميرغني إلى أن الحكومة “لم تعد تنشر المعدلات الرسمية للفقر منذ عام 2022″، معتبرًا أن غياب البيانات لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع المعيشية.
ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة “تعكس فشل السياسات الاقتصادية الحالية في تحقيق تنمية حقيقية”، مضيفًا أنها أدت، من وجهة نظره، إلى تعميق أزمة المديونية وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين.