بينما كنتُ أحاول فتحَ عيني، نافضًا عنهما كسل سويعات قليلة، خلدتُ فيها للنوم عقب قدحٍ لزناد فكري، وملاحقةٍ للخيالات والصور؛ ليخرج حواري مكافئًا لمكانة وشخصية المُحاوَر، الذي كلّفني الأهرام بإجراء حوار معه، صادفتني صورتُه على جروب اتحاد شباب صحفيي الأهرام، فتمنيتُ في قرارة نفسي أن يُرافق صورتَه خبرُ تكريم واحتفاء، أو، على أسوأ تقدير، خبرُ حادث يكون شفاؤه منه أمرًا واردًا بتقدير من الله.
لم يدر بخلدي أبدًا أن الخبر أفدح من ذلك بكثير، فقد كان خبرَ وفاة، وفراقًا إلى الأبد، لحين اللقاء في جناتٍ ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر! وهو جديرٌ بهذا وخليق، فقد جمعَ إلى جمال الخِلقة، حسنَ الخُلق، وإلى روعة الصورة صفاء السريرة.
الكاتب مصطفى غراب.. مدير تحرير الأهرام.. رحلةٌ عامرة بالعطاء، ضربَ فيها أروع أمثلة المهنية والأخوة والكرم والظرف، واذكرْ ما شئتَ من صفات الشهامة والنبل!
التقيتُه أواخر التسعينيات بمراجعة التحرير، وهو قسمٌ كان العملُ فيه بمثابة أشغال شاقة، لم يهوّنها علينا سوى صحبته وظرفه، ولينِ جانبه وانخفاضِ صوته، مهما كانت المشكلة والخلاف.
كان مصطفى يسمعُ بإنصات، ويتكلم بحكمة، ولا مانع أبدًا من قفشة ونكتة، تخفّف من غلواء الحديث، فكان أشبه بربانٍ لسفينة، يُدير دفتها إلى حيث أراد؛ ليتفادى الأعاصير، ويتجنب العراقيل. وبفضل هذه الموهبة، دائمًا ما كان يستوعب خلافات الزملاء بأسلوب آسر، يؤكد أنه كبيرٌ بحق، وهكذا كان بالفعل؛ إذ كان ضاربًا بجذوره في السؤدد، ورغمًا عن ذلك، كان آيةً في التواضع، ونموذجًا في السخاء.
من محاسن مصطفى غراب اللافتة، أنه كان آيةً في الظرف، يصنعُ الابتسامة على وجه كلِّ من خاطبه طوعًا أو كرهًا، كما كان مبدعًا في سجعه، خاصة عندما يدعو لأحدِ زملائه بجملته الشهيرة: «ربنا يعزك ويكبر….»!
كان عملُنا بقسم المراجعة يقوم على مصاحبة زميلين لبعضهما، يقرأ أحدُهما الليزر المطبوع، وينظر الثاني في الأصل المكتوب بيد المحرر؛ ليتداركا ما يسقط من كلمات، وربما جمل أثناء الجمع.
أسعدني حظّي بأن أكون بصحبته يومًا، فآثر أن يقرأ هو، وأن أستمعَ إليه أنا. شرع في القراءة، وبدا عليه الإجهادُ، الذي دلّ عليه احمرارُ عينيه، وكثرةُ تثاؤبه، فسألته: ماذا بك يا أبا حسن؟ فأجاب: لم أنم طيلة الليل، وعقب الفجر، آويت إلى فراشي لأنام قليلًا، وإذا بغراب «غلس» يقف على نافذة الغرفة، وينقر بمنقاره الحاد زجاجها، وكلما طردتُه عاد أشد ضراوة، فطيّر النوم من عيني. فقلت له: جاء ليحييك، فأنتما من عائلة واحدة، فهو غراب وأنت غراب. فضحك ملء فيه، وأنارت الابتسامة وجهه، وملأ البشرُ مُحيّاه.
كان الكاتب مصطفى غراب رجلًا يُحسن اختيار مفرداته، ويرفض الثرثرة، ورغم قلة كلماته، إلا أنها كانت تصل إلى وجدان المتلقي، وحقًا: «ما خرج من القلب وقر في القلب».
تشعّبت بنا الطرق، والتحق كلٌّ منا بعد خروجنا من قسم المراجعة بالقسم الذي رأى فيه نفسه، فالتحقتُ بالقسم الأدبي، والتحق هو بالقسم البرلماني، فكانت له تغطياتٌ جادة. قلّ بيننا التواصل، وكان لقاؤنا، لاختلاف المهام، قدرًا، فكنا نتقابل بالأحضان والمعانقة، التي تُبرهن على أن مصطفى غراب خلٌّ وفيٌّ، و«صاحب صاحبه».
كان مصطفى -طيب الله ثراه- معتدلًا في فكره، بلا إفراط ولا تفريط، لا يُصادر رأي أحد، ويؤمن بأن كل إنسان يُؤخذ من قوله ويُرد، فكان محبوبًا من الكل. لم أسمع يومًا عن خصومة بينه وبين زميل.
كان -رحمه الله- كثيرًا ما يخلو بنفسه في كافيتريا الصحفيين بالدور الرابع بمبنى الأهرام، كما لو أن هناك قضية تشغله، إلا أن الزملاء ما كانوا يتركونه بمفرده، فما إن رأوه حتى التفّوا حوله؛ ليستمتعوا بجمال حديثه وظريف نكاته.
الكلماتُ عن مصطفى غراب تطول، ولكن لوعة القلب تُذهب العقل، ولكن يكفي أن يعلم القارئ أن مصطفى غراب كان إنسانًا بمعنى الكلمة، غاب جسدًا، ولكنه بقي وسيبقى خُلقًا وأثرًا.. رحمة الله تتغشاك، أخي وحبيبي، فقد فارقتنا في وقت نحن أحوج ما نكون إليك فيه؛ لترسم البسمة على وجوهنا، وتأخذ بأيدينا في معترك الحياة الصعبة، لكنه القدر والرضا بقضاء الله.. صبّرنا الله على فراقك، وصبّر أهلك وذويك ومحبيك.