في ذلك الصباح من شهر فبراير 2010، ونحن نغادر مقر جريدة الدستور في الجيزة متجهين إلى المطار، كانت الأسئلة تدور في عقلي وتزيد من حماسي للحظة فارقة في ملامح المشهد السياسي في مصر.
سيارة الجريدة مسرعة بينما أنا غارق في الأفكار: هل يمكن أن نصنع سبقًا حقيقيًا مع رجل عاد ليشغل خيال بلد كامل؟
هل يمكن أن تنجح مهمتنا اليوم في صنع تغطية صحفية تليق بالحدث الكبير؟
كان الدكتور محمد البرادعي أعلن ميعاد عودته إلى مصر وسط ضجة غير مسبوقة.
اسم الرجل الذي كان يشغل منصبًا دوليًا مرموقًا يتردد كاحتمال للتغيير وكأمل مؤجل.
لحظة ربما تضع خرائط جديدة للمشهد السياسي كله.
انطلقت مع فريق من الصحفيين نحمل طموحًا بسيطًا لكنه ليس سهلًا: تغطية صحفية مهنية ومميزة.
انتظرنا وصول طيارته أكثر من 7 ساعات.
وصل الرجل أخيرًا ليصدمنا المشهد.
خرج البرادعي سريعًا، ركب سيارته واختفى.

لحظة محبطة كانت كفيلة بإجهاض الآمال كلها، لكننا قررنا ألا تنتهي القصة هنا.
بدأ ثلاثتنا المغامرة.
أنا يرافقني الزميلة الصحفية المميزة نادية الدكروري، والمصور الصحفي الكبير طارق الجباس.
تبعناه بسيارة الجريدة حتى وصلنا إلى كومباوند يسكنه على الطريق الصحراوي.
عند البوابة، كان الرفض حاسمًا: “ممنوع”.
حاولنا إقناع أمن البوابة أكثر من مرة بالدخول لكن دون جدوى.
أثناء الأخذ والرد، اقترب منا رجل الأمن—بسيط الملامح، هادئ النبرة—وقال بصوت منخفض كأنه يشاركنا سرًا: “فيه طريق تاني… بعيد عن البوابة”.
وصفه لنا بدقة.

لم نتردد لحظة، قررنا أن نسلك ذلك المسار الجانبي.
دقائق قليلة، لكنها كانت كافية لتغيير الإحساس كله: طريق ضيق يمر وسط مدافن، ظلام مخيف وصمت ثقيل يعبر عن درجة إصرارنا على إجراء الحوار والانفراد به قبل غيرنا.
أكملنا حتى خرجنا من المدافن لنجد أنفسنا أمام مدخل الكومباوند قريبًا من “ڤيلا البرادعي”.
كتبنا ورقة سريعة نعرف فيها أنفسنا ونطلب إجراء الحوار، وسلمناها لأحد أفراد الأمن عند البوابة الداخلية.
بعد قليل خرج ابن الدكتور البرادعي.
قال إن والده مرهق واعتذر بهدوء: لن يستطيع إجراء حوارات صحفية اليوم.
لحظة محبطة لكن قرارنا نحن الثلاثة كان حاسمًا: لن نغادر.
حل الليل والجوع يضغط علينا.
قطعنا عشرات الكيلومترات بالسيارة عبر الطريق المظلم نفسه لنأتي بطعام.

ثم عدنا إلى نفس النقطة أمام المنزل.
نمنا داخل السيارة، نتحايل على التعب والإرهاق، ونتمسك بفكرة واحدة: الصباح سيغير كل شيء.
في الثامنة صباحًا كتبنا ورقة أخرى، وسلمناها لرجل الأمن من جديد.
جاء الرد مختلفًا هذه المرة.
انفتح الباب ودخلنا.
الله أكبر.. نجحت مغامرتنا.
في التاسعة صباحًا، كنا نجلس أمام الدكتور محمد البرادعي.
بدا مرحبًا بإصرارنا، ومقدرًا لفكرة أن يقضي صحفيون الليل أمام منزله فقط من أجل الحوار، ابتسم وهو يعلّق على هذا المشهد الذي يعبر عن “احترافية الصحفيين المصريين”، ثم بدأ الحديث.
لم يكن حوارًا عاديًا.
قال بوضوح إنه مستعد للترشح لرئاسة الجمهورية، ولن يقبل بأي منصب بالتعيين، وكشف عن نيته في العمل على توحيد المعارضة لصنع التغيير.
جمل بسيطة وحاسمة رفعت سقف أحلام كثيرين، وأشعلت جدلًا واسعًا.
وسائل إعلام عالمية ووكالات دولية نقلت عنا الحوار.
بتنا في قلب لحظة عاصفة.
وأدرك الجميع قيمة عودة الرجل الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم وجوه ثورة 25 يناير 2011.
أنهينا الحوار بعد نحو ساعة وعدنا إلى صالة التحرير في جريدة الدستور لنخوض سباقًا آخر: صياغة الحوار وتسليمه.
يومها حصلنا على مكافأة فورية قيمتها 300 جنيه. لكن القيمة الحقيقية كانت في ما تحقق.
لاحقًا كنا ضيوفًا في برامج تلفزيونية وحوارات صحفية نحكي كواليس تلك الليلة: كيف قادنا رجل أمن بسيط إلى طريق وسط المدافن، وكيف تحول الإصرار إلى نجاح، وكيف يمكن لحوار واحد أن يصنع كل هذه الضجة.
كانت تلك لحظة من زمن كانت فيه الصحافة قادرة على أن تصنع التأثير.
حوار واحد يمكن أن يحرّك نقاشًا عامًا، ويعيد ترتيب الأچندة السياسية في البلد بأكمله.
يومها عدت بمكافأة صغيرة… وبسبق سيبقى، ببساطة، هو الأهم في حكايتي مع الصحافة.