في لحظة يبدو فيها الصراع بين الولايات المتحدة وإيران محكومًا بمعادلات الردع النووي والتوازنات الإقليمية، يظهر مستوى آخر من القراءة داخل بعض الدوائر الدينية والسياسية في إسرائيل والولايات المتحدة.
وهنا لا يُفهم التصعيد بوصفه مجرد أزمة سياسية، بل كجزء من سردية أوسع تُستحضر فيها نصوص “آخر الزمان”، مثل جوج وماجوج وهرمجدون ونهاية التاريخ، كما تُصوَّر في بعض التفسيرات اللاهوتية المرتبطة بفكرة عودة المسيح المخلّص بعد اكتمال سلسلة من الحروب الكبرى.
في هذا الإطار، لا تصبح المفاوضات مجرد أداة لإدارة الخلاف، بل عنصرًا يُعاد تفسيره داخل سياق “زمني مقدس” يرى أن الصراع لا يُحل، بل يُدار حتى لحظة الانفجار النهائي.
أصل الصراع
في الإصحاحين 38 و39 من سفر حزقيال، يظهر “جوج من أرض ماجوج” على رأس تحالف واسع يهاجم إسرائيل في “الأيام الأخيرة”، قبل أن يتدخل الإله مباشرة لإفشال الهجوم.
داخل بعض التفسيرات الإنجيلية الحديثة، يتم إسقاط هذا النص على الواقع المعاصر بشكل مباشر، بحيث تُقرأ “فارس” كإشارة إلى إيران، وتُفسَّر “قوى الشمال” أحيانًا على أنها روسيا، بينما يُربط تحالف الأمم بشبكات خصوم إسرائيل الإقليميين.
بهذا الانتقال، يتحول النص من رمز ديني إلى إطار لتفسير الجغرافيا السياسية، وهو ما برز بوضوح في الخطاب المحيط بالصراع مع إيران.
هرمجدون.. من حرب إلى فكرة زمنية
داخل المدرسة الديسبنسيشنالية في المسيحية الإنجيلية، لا ينتهي المشهد عند جوج وماجوج، بل يمتد إلى هرمجدون، أي الحرب النهائية قبل عودة المسيح المخلّص.
في هذا التصور:
• الحروب في الشرق الأوسط ليست أحداثًا منفصلة
• بل مراحل متتابعة في تسلسل نبوئي
• وأي تسوية سياسية قد تُفهم كإبطاء لهذا المسار
وهنا تتحول السياسة من إدارة الممكن إلى إدارة توقيت يُفترض أنه محسوم مسبقًا، بينما يُنظر إلى الاستقرار نفسه أحيانًا باعتباره مرحلة قد تؤخر اكتمال “الخطة الكبرى”.
كيف يُدار تعطيل المفاوضات فعليًا؟
تعطيل المفاوضات لا يحدث عبر قرار مباشر، بل عبر شبكة أدوات تعمل بالتوازي:
• ضغط سياسي على واشنطن لإعادة صياغة شروط التفاوض
• تحرك داخل الكونجرس لفرض قيود تشريعية على أي اتفاق
• تسريبات إعلامية محسوبة تخلق حالة شك داخل الإدارة الأمريكية
• إبقاء خيار التصعيد العسكري حاضرًا أثناء التفاوض
في جولة مفصلية من التفاوض غير المباشر في مسقط عام 2025، تزامن تقدم نسبي في النقاشات مع تسريبات عن خيارات عسكرية جاهزة، أعقبها تراجع سريع في مسار التفاوض وعودة التوتر إلى نقطة الصفر خلال أيام، في نمط تكرر أكثر من مرة لاحقًا.
تداخل الأمن والسياسة والعقيدة في إسرائيل
داخل إسرائيل لا يوجد تعريف واحد لإيران، بل ثلاث طبقات متداخلة:
• طبقة أمنية: تهديد نووي واستراتيجي مباشر
• طبقة سياسية: خصم إقليمي طويل الأمد
• طبقة دينية: جزء من سردية الخلاص والصراع التوراتي
داخل هذا السياق، يتم استدعاء رموز مثل “عماليق” ليس كاستعارة تاريخية فقط، بل كإطار أخلاقي يضع الصراع في مستوى “العدو المطلق”، ما يجعل فكرة التسوية نفسها موضع شك داخل بعض الخطابات.
الإنجيليون.. الضغط الخفي
في الولايات المتحدة، يمتد التأثير إلى قاعدة إنجيلية ضخمة تشكل جزءًا مهمًا من المزاج السياسي.
في تكساس عام 2026، قال القس جون هاجي:
“ما يحدث ليس سياسة تتحرك، بل نبوءة تتكشف أمامنا”
هذا النوع من الخطاب لا يصنع القرار مباشرة، لكنه يخلق ضغطًا انتخابيًا وأيديولوجيًا يجعل أي إدارة أمريكية أكثر حساسية تجاه ملف إسرائيل وإيران، خصوصًا في لحظات التصعيد أو الانتخابات.
ترامب وكورش الثاني
في النصوص التوراتية، يُعد كورش الثاني ملك فارس الذي سمح بعودة اليهود من السبي البابلي وإعادة بناء الهيكل، ما جعله رمزًا لشخصية “غير يهودية” تؤدي دورًا محوريًا في خطة دينية كبرى.
داخل الخطاب الإنجيلي والسياسي الأمريكي، تم استدعاء هذا الرمز لمقارنة بعض القادة المعاصرين به، وعلى رأسهم دونالد ترامب بعد قراراته الكبرى عام 2018، مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.
في هذا الخطاب الرمزي، لا يُقدَّم ترامب كفاعل سياسي فقط، بل كـ”أداة تاريخية” داخل مسار يُنظر إليه باعتباره جزءًا من هندسة إلهية للأحداث، وهو نفس المنطق الذي يربط بين دعم إسرائيل وتسلسل نبوءات سفر حزقيال وصولًا إلى فكرة المسيح المخلّص في النهاية.
السرديات الدينية
في كل مراحل التوتر النووي بين 2015 و2026، برز داخل الكونجرس الأمريكي تيار يرفض أي تسوية مع إيران، ليس فقط لأسباب أمنية، بل ضمن رؤية أوسع ترى أن أي تخفيف للضغط قد يخلّ بتوازن حساس مرتبط أيضًا بسرديات دينية-سياسية داخل بعض الدوائر المؤثرة.
نمط يتكرر عند لحظة التفاوض
عند كل اقتراب من تسوية، يتكرر المسار نفسه:
تقدم دبلوماسي، يليه تصعيد سياسي أو أمني، ثم رفع سقف المطالب، ثم انهيار الجولة.
هذا النمط جعل السؤال لا يتعلق فقط بسبب فشل المفاوضات، بل بكيفية دفعها نحو الفشل في لحظات محددة.
أيديولوجيا الاتفاق
في المنطق الواقعي، الاتفاق يعني خفض التوتر. لكن داخل بعض القراءات الأيديولوجية، يُنظر إلى خفض التوتر نفسه كتعطيل لمسار أكبر يُعتقد أنه محتوم.
وهنا تكمن المفارقة: أن استمرار الأزمة لا يُرى كفشل، بل كجزء من “استمرار الخطة”.
بين الواقع والنبوءة
في الوضع الحالي، لا تتحرك السياسة وحدها، بل تتحرك داخل طبقات من التفسير الأيديولوجي والرمزي والاستراتيجي.
وهنا لا تُكتب النهايات فقط في غرف التفاوض، بل تُصاغ أحيانًا داخل سرديات تؤمن أن النهاية معروفة مسبقًا، لأنها جزء من “مسار حتمي بوعد إلهي”.