أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

إسراء عبد الحافظ

الهوية السردية كفعل مقاومة في زمن الانقسام

إسراء عبد الحافظ

استعادة السرد في زمن التفتت هل من مخرج؟

ليس العيب أن تنكسر حكايتك العيب أن تقنع بأن لا حكاية تستحق أن تُحكى بعدها

في مقالاتنا السابقة تركنا نوران واقفة على الرصيف تعدل الأساور على يدها وشنطتها البنية على كتفها وابتسامتها المعلبة تردد ( زي الفل) كوسيلة حماية ضد السؤال وتركنا أحمد غارقاً في دهليزه بين حكاية هويته القديمة التي تهاوت وحكاية النقد التي لم تكتمل، متجمد بين يقينين ميتين وتركنا سارة تحدق في شاشة هاتفها ترى وجوهها السابقة تمر كأشباح لا تستطيع إنكارها ولا تستطيع ضمها ..

أخبار ذات صلة

إسراء عبد الحافظ
الهوية السردية كفعل مقاومة في زمن الانقسام
سعر الذهب
ما حال أسعار الذهب والفضة في مصر اليوم؟ 
شيماء سامي
"القاضي راجل والشيخ راجل".. حين أصبحت النساء "ديكور تجميلي" للأنظمة الذكورية

تركناهم هناك لأننا لم نكن نملك جواباً أو لأن الجواب كان مؤلماً جداً لدرجة أننا أجلناه لكن التأجيل ليس حكاية والحكاية لا تحتمل التأجيل إلى ما لا نهاية فكل يوم يمر ونوران لا تحكي هو يوم إضافي من موتها البطيء وكل ليلة ينام فيها أحمد على صراعه الداخلي هي ليلة أخرى من تشتته وكل تمريرة من إبهام سارة على شاشة هاتفها هي تمريرة أخرى في لا مكان ..

لهذا، هذا المقال ليس مجرد تحليل هو محاولة إنقاذ ليس لأننا نملك الحقيقة لكن لأننا نملك سؤالاً واحداً لم نطرحه بعد هل يمكن للسرد أن يعود بعد أن مات؟ وإذا عاد فـ بأي وجه يعود؟

هل من مخرج ؟ كيف نبني حكاية تمتد في زمن لا يحب الامتداد؟

الزمن الرقمي لا يرفض السرد الطويل لأنه مستحيل لكن يرفضه لأنه خطير فالسرد الطويل خطير على الخوارزميات لأن الخوارزميات تعيش على القفلة والحلقة المغلقة والاستجابة الفورية أنت تتصفح تضغط وتشاهد وتنتقل لا تتوقف لا تفكر لا تتذكر فالسرد الطويل يريد منك أن تتوقف وتجلس وتنتظر وتتذكر ما حدث قبل مائة صفحة ، أن تتساءل ماذا سيحدث بعد مائة صفحة وهذا التوقف هو ما تخشاه آلات الاستهلاك لأن المتوقف لا يستهلك والمتذكر لا يمكن شراؤه والمتسائل لا يشاهد الإعلانات ولهذا عندما أقول إن استعادة السرد الطويل هي مقاومة وجودية فأنا لا أبالغ لأنها مقاومة للآلة التي تريد تحويلك إلى إبهام يمر سريعاً وإلى عينين تتصفحان دون رؤية وإلى قلب لا يبكي لأن البكاء يستغرق وقتاً طويلاً فتصبج بلا مشاعر ..

إعادة تأهيل القراءة والكتابة

لماذا الرواية والمقال الطويل والبودكاست الحواري هي أسلحتنا الوحيدة؟

الرواية هي أطول حكاية يمكن أن يعيشها الإنسان دون أن يموت في الرواية تعيش حياة شخص آخر لعدة ساعات أو أيام تتعلم كيف يتغير وكيف يندم وكيف يخون وكيف يغفر وكيف يموت هذا التدريب على عيش حياة الآخر هو بالضبط ما تحتاجه لبناء حياتك الخاصة لأنك لن تعرف كيف تحكي حياتك حتى تعرف كيف حكى الآخرون حياتهم فالرواية تعلمك أن التناقض ليس فشلاً فالشخصية الروائية الحقيقية هي التي تتناقض التي تحب وتكره في نفس الوقت هي التي تؤمن وتشك وتندم على ما فعلته وتفعله مجدداً وهذا التناقض هو ما ترفضه ثقافة المنصات الاجتماعي لأنها تريد منك شخصية ثابتة سهلة التصنيف وسريعة الاستهلاك ، نوران أصبحت المحبطة فقط، أحمد أصبح الحائر فقط وسارة أصبحت المتقلبة فقط ،الرواية تعيد إليهم حقهم في أن يكونوا كل هذا وأكثر ..

المقال الطويل مثل هذا الذي تقرأه الآن هو شكل آخر من المقاومة فالمقال القصير يقول لك هذا هو الجواب والمقال الطويل يقول تعال نمشي معاً في طريق السؤال أنت لست قارئاً تلتهم النتيجة فأنت رفيق رحلة تتعثر معي وتتوقف وتعيد القراءة وتختلف معي وتوافق وكل هذا يحتاج إلى وقت والوقت هو ما تريد المنصات سرقته منك عندما تقرأ مقالاً طويلاً فأنت تقول للآلة أنا لست مستخدماً أنا إنسان يبحث ..

البودكاست الحواري هو استعادة للسرد الشفاهي الذي فقدناه قبل الكتابة ، كان البشر يحكون يجلسون حول نار هادئة ويستمعون لساعات إلى حكاية واحدة وهذا الحكي الشفاهي كان يبني المجتمعات كان يخلق روابط لا تستطيع الصورة المقطعة خلقها فالبودكاست الطويل يعيد هذه النار ، نار لا تحرق لكنها تنير وفكرة أن تجلس وتستمع لشخص يتحدث عن جرحه لمدة ساعة كاملة دون أن تقاطعه دون أن تمرره هي فعل حب لأن الحب في النهاية هو أن تمنح الآخر وقتاً ..

نوران لم يمنحها أحد وقتاً وكل من حولها يمرون سريعاً ويسألون كيف حالك؟ ولا ينتظرون الجواب فتعلمت ألا تجيب فماتت حكايتها لو وجدت نوران من يستمع إليها لساعة كاملة دون أن يقاطعها ودون أن يقدم لها حلولاً فقط يستمع لربما عادت تحكي لأن الحكي يحتاج إلى أذن كما تحتاج الشجرة إلى ماء ..

الإبطاء في السرد هو التمرد الحقيقي

السرد البطيء ليس مجرد أسلوب أدبي هو تمرد وجودي هو العودة إلى إيقاع لم يخترعه الإنسان بل اكتشفه أنظر إلي إيقاع الزراعة حيث تضع البذرة في التراب ثم تنتظر لا تستطيع أن تأمر الحبة بأن تنبت اليوم لا تستطيع أن تسرع الفصول والمطر يأتي وقته والجذور تنمو في الظلام والنبتة الأولى لا ترى النور إلا بعد أن تكون قد بنت لنفسها عالماً تحت الأرض هكذا السرد البطيء هو أن تروي حياتك كما تروي الأرض بذورها بصبر قاسي لا بطيش العجلة فإيقاع الزراعة يختلف عن إيقاع التصنيع فالمصنع ينتج في دقائق والحقل يحتاج إلى مواسم والموسم لا يمكن اختصاره و السرد البطيء يذكرك بأنك لست منتجاً لست شيئاً يُصنع ثم يُباع ثم يُستهلك ثم يُرمى أنت شجرة تنمو لها جذور لا تراها لها أغصان تتشابك لها جروح في لحائها وكل هذا يحتاج إلى وقت ..

ثقافة الثلاثين ثانية أقنعتك أن حياتك يمكن أن تختصر في هذا ما حدث لي لكن الحقيقة أن حياتك لا يمكن اختصارها حياتك هي رواية تمتد لعقود فيها فصول مملة فصول لا يحدث فيها شيء فصول تشعر فيها أنك تمشي في مكانك لكن هذه الفصول المملة هي التي تخلق التباين وبدونها لن تعرف قيمة الفصول الجميلة وفيها فصول مؤلمة وفصول تريد أن تطويها وتنسى أنها حدثت لكن طيها لا يمحوها والسرد البطيء يمنحك الشجاعة لأن تفتح هذه الفصول مرة أخرى لا لتعيش ألمها بل لتفهمها وفيها فصول لا تفهمها إلا بعد أن تمر بثلاثة فصول أخرى فالحكاية تعيد تفسير نفسها باستمرار وما بدا كارثة في الفصل الثالث قد يتبين أنه مقدمة ضرورية للفصل السابع لو توقفت عند الفصل الثالث لفقدت الفصل السابع ..

لن تفهم اليوم لماذا كنت شيوعياً ثم ليبرالياً ثم قومياً أو العكس هذا التناقض سيؤلمك ستشعر أنك مذبذب سطحي بلا عمق لكن بعد عشر سنوات قد تجلس في ليلة شتاء باردة وفجأة يضيء شيء في رأسك ترى الخيط الذي يربط كل هذه المحطات لم تكن متقلباً كنت تبحث وكان البحث يغيرك وهذه هي طبيعة الإنسان لا يصل بل يبحث والسرد البطيء يمنحك هذا الأفق البعيد يطلب منك شيئاً واحداً فقط لا تغلق القصة الآن اتركها مفتوحة اترك نفسك مفتوحة فربما أنت في الفصل الثالث من رواية من سبعة فصول والفصل الثالث هو دائماً فئة الظلام قبل الفجر ..

اترك الأسئلة مفتوحة فالحكاية الجيدة لا تنتهي بجواب لأنه يغلق الباب والحكاية الجيدة تنتهي بسؤال أكبر يجعل القارئ لا يغلق الكتاب بل يبقى محدقاً في الصفحة الأخيرة يتساءل عندما تحكي حياتك ببطء فأنت لا تقدم نفسك كمنتج نهائي كسلعة جاهزة للاستهلاك أنت تقدم نفسك كـ عمل قيد التقدم كسؤال يمشي على قدمين بجروح لم تلتئم لكنها تتعلم كيف تتنفس وهذا هو الصدق الحقيقي أنك لا تدعي أنك وصلت وان تعترف أنك لا تزال في الطريق وأن الطريق نفسه هو الحكاية ..

في فلسفة ريكور هناك فرق لا يقل أهمية عن الفرق بين الروح والجسد والفرق بين الزمن الفيزيائي والزمن السردي فالزمن الفيزيائي يمكن سرقته منك عبر شاشة تلتهم انتباهك وهذا الزمن لا يرحم ويمر سواء أحسست به أم لا سواء عشته أم لا هذا الزمن هو الذي تخاف منه نوران لأنه يذكرها أنها تكبر وأن أحلامها لم تتحقق وأن الأساور على يدها لن تعيد إليها شيئاً ، أما الزمن السردي فهو مختلف لأن الزمن الذي نعيشه لا الذي نقيسه إنه الزمن الذي يمر ببطء حين تكون في حالة حب ويمر بسرعة حين تكون سعيداً ويتوقف تماماً حين تصدمك سيارة ..

عندما تحكي حكايتك فأنت تمارس سحراً قديماً تحول الدقائق إلى معنى وتحول الانتظار الطويل في طابور الوظيفة إلى درس في الصبر وتحول خيبة الأمل التي استمرت سنوات إلى باب لحكمة لم تكن تملكها وتحول الألم الذي ظننت أنه سيقضي عليك إلى عضوية في نادي لا يرغب أحد في الانضمام إليه لكن أعضاءه هم أعمق البشر وهذا التحول لا يمكن أن يحدث في السرعة ولا يمكن أن يحدث في فيديو مدته ثلاثون ثانية ولا يمكن أن يحدث في منشور عابر لأن التحول يحتاج إلى تأمل والتأمل يحتاج إلى صمت والصمت يحتاج إلى شجاعة وأن تقف أمام ألمك دون أن تهرب إلى التمرير التالي ..

نوران عندما توقفت عن الحكي توقفت أيضا عن تحويل زمنها إلى معنى صار وقتها مجرد ساعات تمر ولا تختلف عن ساعات أي شيء آخر كـ ساعات الأكل والنوم ولا بيع الأساور هذا هو موت الزمن الإنساني ليس الموت الذي يتوقف فيه القلب والموت الذي يتوقف فيه التحول وأن تعيش ساعات لا تتحول إلى شيء أن تمر الأيام وكأنها لم تمر هذه هي الكارثة بأن نعيش ولا نحيا ..

نوران لم تمت لكن زمنها السردي مات صار جسدها حياً ووقتها ميتاً وهذا أسوأ من الموت لأن الميت لا يشعر بموته أما نوران فتشعر أن الساعات تمر ولا تعود وأن شيئاً ما ينزف من داخلها لا تعرف كيف توقفه فترتد ابتسامتها المعلبة كجدار ..

السرد البطيء هو وحده القادر على إنقاذها لأنه يمنحها وقتاً مختلفاً وقتاً لا يمر بل ينمو وقت لا يقاس بالساعات بل بالعمق تحتاج نوران إلى أن تجلس مع نفسها ليس لدقائق بل لساعات وتبدأ( كنت ) كلمة واحدة ثم تنتظر لا تتعجل تترك الكلمة تلد كلمة أخرى كما تترك الأرض البذرة تلد ساقاً وهذا هو الإبطاء وهذا هو التمرد الذي قد يعيدها من الموت ..

لا يمكننا ولن نستطيع أن نلغي الهواتف ، نوران لن ترمي جوالها في البحر أحمد لن يغلق حساباته وسارة لن تعود إلى القلم والورقة فقط هذا ليس واقعياً والأهم أنه ليس مرغوباً لأن الوسائط الجديدة ليست شريرة في ذاتها إنها أدوات والسيطرة الحقيقية هي أن نقرر كيف نستخدمها لا أن نلقيها جانباً ..

كيف نستعيد سيادتنا؟

بدلاً من أن تنشر فكرة عابرة يمكنك أن تبدأ سلسلة سردية حلقة أولى، ثانية، ثالثة كل حلقة تبني على السابقة والقارئ ينتظر التالية وهذا البناء التدريجي يعيد تدريب الدماغ على الزمن الممتد وعلى التذكر والترقب ثلاث دقائق من الفيديو يومياً على مدى شهر يمكن أن تروي حكاية أعمق من فيلم وثائقي ساعة فـ نوران لا تحتاج إلى كتابة مذكراتها كاملة بل يمكنها أن تبدأ سلسلة قصيرة حكاية الأساور وكل حلقة حكاية سوار واحد من أين جاء؟ لمن بيع؟ هذه الحكايات الصغيرة المتراكمة قد تعيد بناء سردها الكبير الذي يسرد حقيقية الأساور ابتي وضعت بيدها أثناء اعتقالها في أول مرة وتربط خيوط الأساور ببعضها فالمنصات تشجع على العشوائية وكل منشور عالم بذاته لكن يمكنك خلق خيط يربط ما تنشره وعلامة تصنيف موحدة مع ترتيب زمني وموضوع متكرر وهذا الخيط هو ما يحول الفوضى إلى حكاية والقارئ الذي يجد خيطك يمكنه أن يسير فيه من البداية إلى النهاية وهذا هو السرد ..

أما سارة بتنقلاتها الفكرية يمكنها أن تخلق خيطاً بعنوان رحلتي في البحث ولا تخفي تناقضاتها وتجعلها هي الحكاية تقول هذا ما كنت أؤمن به في ٢٠١١ وهذا ما أؤمن به الآن وهذا ما تغير بينهما هذا الخيط يمكن أن يكون أكثر صدقاً من أي حكاية أحادية ..

لماذا تستهلك وما تستهلك

هذا هو الأصعب لأنه يتطلب أن نوقف المشغل التلقائي وأن ننتبه أن نسأل أنفسنا قبل أن نمرر إبهامنا لماذا أنظر إلى هذا؟ هل يضيف شيئاً إلى حكايتي؟ أم أنه يسرق وقت حكايتي؟

فالوعي النقدي ليس عداء للوسائط لكنه صداقة واعية معها وأن تعرف متى تدخل ومتى تخرج متى تستهلك ومتى تنتج ومتى تتصفح ومتى تكتب وهذا الوعي لا يأتي بين ليلة وضحاها يحتاج إلى تدريب وهذه المقالات هي جزء من هذا التدريب كل مرة تقرأ فيها مقالاً طويلاً فأنت تمارس هذا الوعي تقول للآلة أنا أقرر كيف أستخدم وقتي ليس أنت ..

نصل الآن إلى القلب إلى ما يجعل ريكور فيلسوف عميق وليس مجرد منظر أدبي قالسرد عند ريكور هو فعل أخلاقي لأنك عندما تحكي فأنت تفترض وجود آخر وهذا الافتراض يحملك مسؤوليات أي عهد خفي بين الراوي والقارئ أو المستمع ..

تخيل أنك تبدأ حكايتك تقول كان يا مكان فـ من تكون كان يا مكان هذه؟ أنت تخلق عالماً وتدعو الآخر للدخول إليه هذا الدعوة هي وعد ضمني بأنك لن تكذب أو على الأقل ستكون صادقاً بشأن تحيزاتك لأن الكذب في السرد هو خيانة للثقة التي منحك إياها المستمع أو القارئ وستجعل حكايتك مفهومة حتى لو كانت معقدة لأن التعقيد ليس عذراً للغموض أنت مدين للقارئ بجهد التبيان ، ستحترم حكاية الآخر ولن تستخدم حكايتك لتدمير حكايته لأن السرد الحقيقي لا يهدم لكنه يبني جسوراً وهذا الوعد السردي هو ما يجعلنا بشراً فالآلات لا تعد فقط البشر يقطعون وعوداً سردية وعندما نكسر هذا الوعد نفقد جزءاً من إنسانيتنا ..

تأمل في جروح السرد

ليس الفرق بين الراوي ومنتج المحتوى فرقاً في الشكل ولا في الوسيط ولا في عدد الدقائق أو الصفحات الفرق أعمق من ذلك بكثير إنه الفرق بين من يمنحك جزءاً من روحه ومن يبيعك جزءاً من وقته بين من يقول تعال نعيش معاً في هذه الحكاية ومن يقول استهلكني وبين من يقطع وعداً لا يعرف إن كان سيفي به ومن لا يعد بشيء لأنه لا يملك شيئاً ، الراوي يجلس على كرسي واطئ أمام نار أو على مقهى أو في غرفة مظلمة لا يهم ذاك لكن المهم أنه يأخذ وقتاً ليس وقتك فقط بل وقته هو أيضاً هو يخاطر ويضع جزءاً من ماضيه على الطاولة ماضياً لا يستطيع استعادته إذا ضاع يقول اسمعني ما سأقوله لك ليس كاملاً ليس جميلاً ليس مثالياً لكنه حقيقي وسأحاول ألا أكذب عليك هذا هو الوعد السردي الذي لا يُكتب لكنه يُفهم بالغريزة الراوي يبحث عن معنى مشترك يبنيه معك حجراً حجراً على مهل كما يبنى بيت العمر لا يهمه إن كنت ستتفاعل معه في الثانية التالية يهمه إن كنت ستتذكر حكايته بعد سنة ..

أما منتج المحتوى فلا يجلس يقف بل يركض يلهث خلف إبهامك الذي يمر سريعاً على الشاشة يريد منك أن تتفاعل الآن ثم تنتقل إلى غيره لا يريد أن يبني معك شيئاً يريد أن يستخرج منك شيئاً إعجاباً ومشاركة ووقتاً أي وقت حتى لو كان ثلاث ثوان لا يعدك بشيء سوى أن اللحظة التالية ستكون أكثر إثارة ليس لديه ماضي يقدمه ولا مستقبل ينتظره عنده فقط حاضر متواصل لكنه حاضر فارغ لأنه ليس مبنياً على شيء منتج المحتوى لا يخاطر يقدم ما يضمن التفاعل لا يقول اسمعني بل يقول انظر إليَّ والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الأذن والعين الأذن تحتاج إلى وقت لتعمل العين تلتقط في لمحة ..

الراوي عندما يحكي يفترض أنك إنسان له كرامة له تاريخ له حكاية أخرى لا يعرفها يحترم هذا الغموض فيك لا يريد أن يملأ رأسك بل أن يفتح قلبك منتج المحتوى بالمقابل يفترض أنك مستخدم مجموعة من البيانات السلوكية وإبهام يمر وعينان تتصفحان لا يهمه ما تحمله من جراح أو أحلام يهمه فقط أن تبقى على الشاشة ثانية إضافية ولهذا حين يتوقف الراوي عن الحكي فإنه يموت موتاً بطيئاً لأنه يفقد جزءاً من وجوده أما منتج المحتوى حين يتوقف عن الإنتاج فإنه يفقد مصدر دخل أو يخسر متابعين الفرق بين الموت والخسارة وبين الوجود والاستهلاك . .

نوران توقفت عن الحكي فماتت سردياً لكنها لم تتحول إلى منتجة محتوى ناجحة لأنها لم ترد أن تبيع بقايا روحها على طبق من التفاعلات السريعة هي اختارت الصمت وهو خيار مؤلم لكنه أصدق من أن تصير منتجة محتوى تلهث خلف إعجابات لا تشفي جرحاً ..

التعايش الإنساني كيف نبني عالمًا مشتركًا من حكايات مختلفة؟

ريكور يرى أن المجتمعات لا تُبنى على الاتفاق بل على تبادل الوعود السردية أنا أحكي لك حكايتي أنت تحكي لي حكايتك لا نتفق بالضرورة لكننا نتفق على أن حكاياتنا تستحق الاستماع هذا هو الأساس في مجتمع صحي أننا لا نضطر إلى حب حكاية الآخر لكننا نضطر إلى الاعتراف بوجودها لا نضطر إلى التخلي عن حكايتنا لكننا نضطر إلى روايةها بطريقة تسمح للآخر بفهمنا لا نضطر إلى نسيان جراحنا لكننا نضطر إلى عدم استخدامها كسلاح ضد الآخر هذا هو التسامح السردي ليس نسياناً ولا تبريراً هو اعتراف بأن الحقيقة أكبر من حكاية واحدة وأن الآخر بحكايته المختلفة يملك جزءاً من الحقيقة لا أملكه ..

في مصر بعد 2011 انهار هذا التسامح السردي فكل تيار يروي حكايته وكأنها الحقيقة الوحيدة والآخر إما كذاب أو خائن نوران انسحبت لأنها لم تعد تطيق هذا الصراع أحمد تاه فيه سارة حاولت أن تكون كل الحكايات فلم تكن أياً منها ..

استعادة التعايش تبدأ باستعادة القدرة على الاستماع ليس الاستماع للاتفاق بل الاستماع للاختلاف ليس الاستماع للرد بل الاستماع للفهم وهذا يحتاج إلى زمن إلى سرد بطيء إلى وعد سردي لا ينكسر ..

نهاية ليست نهاية أو لماذا لا نزال هنا

انتهت رحلتنا مع بول ريكور أربعة مقالات آلاف الكلمات وسؤال واحد لم يتغير ماذا يحدث حين يتوقف الحكي؟

لكنني وأنا أكتب هذه الكلمات الأخيرة أتذكر شيئاً أتذكر أنني بدأت هذه السلسلة بسؤال كيف يموت الإنسان قبل أن يموت؟ وأجبت عندما يتوقف عن الحكي والآن بعد كل هذه الصفحات أكتشف أنني كنت أنظر إلى القصة من زاوية خاطئة لم أكن أسأل كيف نموت؟ كنت أسأل كيف نعيش؟ وخلطت بين الاثنين ..

نوران لم تمت هي هنا على رصيفها تعدل الأساورو تردد ( زي الفل) أحمد لم يمت هو هنا في دهليزه يصلب بين يقينين و سارة لم تمت هي هنا تحدق في شاشتها ترى وجوهها السابقة هم هنا ووجودهم هو دليل أن الموت السردي ليس نهائياً لأن الموت الحقيقي ليس أن تتوقف عن الحكي ، الموت الحقيقي هو أن تنسى أنك كنت تحكي نوران لم تنسي هي تتذكر وهذا التذكر هو باب الخلاص ..

لعل ريكور كان يعرف هذا لعل فيلسوفاً أمضى عمره يتأمل الزمن والسرد كان يعرف أن الحكاية لا تموت أبداً تختفي فقط وتختبئ تحت الرماد مثل نار لا تزال مشتعلة تحتاج إلى من ينفخ فيها وتحتاج إلى كلمة إلى سؤال إلى أذن ..

نوران تحتاج إلى من يسألها ماذا حدث؟ وليس كيف حالك؟ وتحتاج إلى أن تجد الشجاعة لتجيب ليس بجملة فارغة بل بحكاية تبدأ من حيث توقفت من اليوم الذي لم تعد تكتب فيه مذكراتها من أول صمت من أول ( زي الفل )

أحمد يحتاج إلى من يقول له تناقضاتك ليست عيباً هي دليل أنك كنت تبحث بصدق ويحتاج إلى أن يغفر لنفسه أن يعترف بأنه كان ضائعاً ولا يزال لكن هذا الضياع هو طريق ليس الطريق الذي اختاره لكنه الطريق الذي مشى فيه ..

سارة تحتاج إلى من يقول لها لم تفقدي هويتك أنتِ كل هذه الشخصيات وهذا غنى لا فقر وتحتاج إلى أن تتبنى تناقضاتها لا أن تهرب منها أن تكتب كتاباً واحداً يجمع كل فصولها المتناثرة ..

أما أنت أيها القارئ الذي بقيت حتى النهاية أنت أيضاً أنت تحمل في داخلك نوران وأحمد وسارة تحمل صمتاً لم تحكه بعد وتحمل تناقضاً لم تصالحه بعد وتحمل تشتتاً لم تجمعه بعد ..

لعل هذا المقال لم يكن ليقدم لك حلولاً لأنه لا يوجد حل للسرد والسرد ليس مشكلة تُحل السرد هو أن تعيش والمشكلة أن العيش صعب وأنه مؤلم وفوضوي أنه لا يتبع حبكة جميلة لكن العيش رغم كل شيء هو أن تظل تحكي أن تظل تحاول وتبحث عن أذن صاغية أو عن يد تكتب أو عن صوت يسجل لأن الحكي ليس رفاهية والحكي هو ما يبقينا هنا هو ما يمنعنا من أن نكون مجرد أجساد تمر ..

نوران ،أحمد، سارة وكل من قرأ هذه الكلمات ووجد نفسه فيهم أنتم لم تموتوا بعد أنتم فقط صمتّم والصمت ليس نهاية الصمت هو الفاصلة التي تفصل بين جملة وأخرى بين حكاية ماتت وحكاية لم تولد بعد ..

فهل تبدأون؟ هل تكتبون الجملة الأولى؟هل تهمسون بـ كنت ؟

لأن ( كنت ) هي بداية كل شيء بداية الذاكرة، التعهد ، بداية الأمل والقيامة من الموت السردي ( كنت يوماً أحلم وما زلت ) هذه الجملة تكفي فقط ابدأ بها والباقي سيأتي

بين الذات والذات نفسها هناك السرد فإذا توقف السرد توقفت الذات لكن السرد لا يموت أبداً ينام فقط ينتظر من يوقظه ويجدد فيه الأمل ..

تمت الحلقات، فلتبدأ حكايتك أنت الآن ..

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

ضياء العوضي
اختفاء مفاجئ ورحيل غامض.. لغز وفاة ضياء العوضي ينتظر الحل و"التحقيقات"
ضياء العوضي
أنباء عن وفاة الدكتور ضياء العوضي.. وزوجته: لم يصلنا الخبر
IMG_6432
قرار من لجنة الاستئناف باتحاد الكرة بشأن تظلم الأهلي.. ما القصة؟
IMG_6431
مصدر لـ”القصة”: الأهلي يدرس إعارة أحمد عيد في الموسم المقبل

أقرأ أيضًا

IMG-20260411-WA0013
مفاجأة "الحجَّار" في ذكرى ميلاد "عمَّار" 
منال لاشين
نص القصة.. من لبنان إلى طهران: شكرًا
727
"سجناء الرأي".. ولا بد للقيد أن ينكسر.. علاء الخيام: الحبس الاحتياطي تحول في مصر لعقوبة
سيد الطوخي
سيد الطوخي: نجدد مطالبنا بتعديل قانون الحبس الاحتياطي.. والإفراجات الأخيرة "تنفيسة"