تُظهر التطورات الأخيرة في الملف الإيراني وجود تباين واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن إدارة المواجهة مع طهران، رغم استمرار الاتفاق بينهما على منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وبينما تركز واشنطن على احتواء التصعيد وفتح مسارات تفاوضية، تسعى إسرائيل إلى إضعاف القدرات الإيرانية بصورة تضمن عدم استعادتها لقوتها في المستقبل القريب.
اختلاف الأهداف النهائية للمواجهة
وفي هذا السياق قال الدكتور ميسرة مصطفى بكور مدير المركز العربي الأوربي للدراسات برلين لـ “القصة” إن الخلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يتعلق بتشخيص الخطر الإيراني بقدر ما يرتبط بالنتيجة المطلوبة من المواجهة، فواشنطن تسعى إلى ممارسة ضغوط تفتح الباب أمام التفاوض وتحافظ في الوقت ذاته على مصالحها وقواتها في المنطقة، إضافة إلى ضمان استقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
وأوضح أن إسرائيل تنظر إلى المواجهة من زاوية مختلفة، إذ تركز على إضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين على المدى الطويل، مع الحفاظ على قدرتها على تنفيذ ضربات مستقبلية إذا اقتضت الضرورة ذلك.
المصالح الأمريكية مقابل المخاوف الأمنية الإسرائيلية
وأضاف أن الفارق الأساسي يكمن في ترتيب الأولويات، حيث تنطلق واشنطن من حسابات المصالح الأمريكية الأوسع، بما يشمل أمن القوات المنتشرة في المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، فضلًا عن الاعتبارات السياسية الداخلية الرافضة لحرب مفتوحة غير محددة الأهداف أو المدة.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، سواء من خلال البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية أو النفوذ الإقليمي لطهران، وهو ما يجعلها أكثر استعدادًا لتحمل مخاطر التصعيد العسكري مقارنة بالولايات المتحدة.
فرص احتواء التصعيد ومخاطر الانزلاق للحرب
وأشار بكور إلى أن الحرب الشاملة لا تبدو الخيار المفضل لأي من واشنطن أو طهران، حيث يسعى الطرفان إلى تثبيت معادلات الردع دون الانجرار إلى مواجهة واسعة النطاق يصعب السيطرة على تداعياتها.
لكنه حذر من أن السيطرة على التصعيد ليست مضمونة بشكل كامل، موضحًا أن أي تطور كبير مثل سقوط أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين، أو تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو استهداف منشآت حيوية في الخليج، قد يدفع الولايات المتحدة إلى رد عسكري أوسع نطاقًا، بما يرفع احتمالات توسع المواجهة.
خلاف تكتيكي أم فجوة استراتيجية؟
وأكد بكور أن الخلاف القائم بين الحليفين يبدو في ظاهره تكتيكيًا ويتعلق بتوقيت الضربات العسكرية وطبيعة الأهداف، إلا أنه يمتد بصورة أعمق إلى تعريف شكل نهاية الحرب وشروط التسوية.
وأوضح أن واشنطن قد تكون مستعدة لقبول اتفاق مرحلي يوقف الهجمات ويقيد النشاط النووي الإيراني ويضمن أمن الملاحة الدولية، بينما تخشى إسرائيل أن تمنح مثل هذه التفاهمات طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاستراتيجية.
واختتم بالتأكيد أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ما زالت قائمة على تحالف راسخ وتعاون عسكري واستخباري وثيق، إلا أن ذلك لا يعني تطابق الرؤى بالكامل، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة ترى القوة وسيلة للوصول إلى تسوية سياسية، في حين تعتبر إسرائيل أن أي تسوية يجب أن تكون محكومة بنتائج القوة العسكرية وضماناتها.