منذ بداية هذا العام 2026، يشهد قطاع البترول والغاز الطبيعي في مصر اكتشافات جديدة، بالإضافة إلى مشروعات استثمارية واعدة، بحسب تصريحات وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية.
ولكن يتزامن مع هذه الاكتشافات ارتفاع متزايد في أسعار الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية والكهرباء، كما ارتفعت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مما أثار تساؤلات حول مدى تأثير وفاعلية هذه الاكتشافات والمشروعات الاستثمارية التي لا تصل فائدتها إلى المواطن، بل أحيانًا يدفع ثمنها من جيبه.
أرقام تتحدث.. بين الاكتشافات الجديدة والمشروعات الاستثمارية
ارتفعت فاتورة استيراد الغاز خلال الأشهر الخمسة الماضية بنسبة 158%، لتصل إلى 4.99 مليون طن من الغاز، بقيمة 2.5 مليار دولار، مقارنة بكمية الغاز الوارد خلال الفترة نفسها من عام 2025، والتي بلغت 1.93 مليون طن، بقيمة 1.75 مليار دولار، طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
في المقابل، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، في 21 مايو 2026، عن اكتشاف حقل غاز جديد في الصحراء الغربية، كشفته شركة عجيبة.
وفي بداية شهر مايو من العام نفسه، أعلنت الوزارة عن اكتشاف بئر “دينيس غرب 1” في منطقة امتياز تمساح بالبحر المتوسط، وهو أحد اكتشافات شركة إيني الإيطالية، بالتعاون مع شركة التشغيل القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس”.
كما سبق هذه الإعلانات، في شهر يناير 2026، الإعلان عن اكتشافات جديدة لشركات خالدة وبتروبل وجابكو، بالإضافة إلى أربعة مشروعات استثمارية جديدة، أُعلن عنها خلال الاجتماع الأسبوعي لرئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي في 4 يونيو 2026.
وتُنفذ هذه المشروعات في أربع مناطق مختلفة، هي: منطقة شرق الإسكندرية البحرية في البحر المتوسط، ومنطقة شمال طنطا البرية في دلتا النيل، ومنطقة الفيروز البرية في شمال سيناء، ومنطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.
حجم فاتورة الاستيراد تضاعف.. والطاقة النظيفة أحد أهم الحلول المنقذة
بدأ الدكتور أسامة كامل، عضو مجلس الشيوخ، حديثه لـ”القصة” قائلًا إن حجم الاستثمارات المخطط لها خلال عام 2026 يبلغ نحو 8 مليارات دولار.
وأضاف: “تضخ الشركات الأجنبية هذه الاستثمارات، لأن نشاط البحث والاستكشاف لا تتحمل الدولة تكلفته، بل يتحمله بالكامل الشريك الأجنبي ويتحمل مخاطره أيضًا”.
وأوضح أنه “من الممكن حتى الآن أن يكون قد تم إنفاق نحو 30% من هذا المبلغ، أي ما يقرب من 2.5 مليار دولار”.
وأشار إلى أن “المشكلة الحقيقية في الغاز والكهرباء هي وجود الدعم، ولهذا ترتفع أسعارهما، وللحد من ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء يجب توفير مصادر الغاز في مصر”.
وأضاف: “لدينا إنتاج محلي يقترب من 3.8 إلى 4 مليارات قدم مكعبة من الغاز يوميًا، ويقارب ثلثا هذا الرقم حصة مصر من الإنتاج، بينما نحصل على الثلث المتبقي من الشريك الأجنبي بسعر يتراوح بين 6 و7 دولارات للمليون وحدة حرارية”.
وأردف: “بالإضافة إلى ذلك، نستورد ما بين مليار ومليار وربع قدم مكعبة من الغاز عبر خط الغاز القادم من إسرائيل، بسعر يتراوح بين 7.6 و7.8 دولارات للمليون وحدة حرارية، كما يوجد استيراد في حدود ملياري قدم مكعبة من الغاز”.
وأكد أن أسعار الغاز المستورد ارتفعت بشكل كبير، قائلًا: “كان سعر الغاز المستورد يتراوح بين 12 و13 دولارًا، أما الآن فقد وصل إلى 23 دولارًا، والثلث الذي نحتاجه من الغاز يعادل هذا الرقم، كما أن حصة الشريك الأجنبي من الغاز القادم من إسرائيل تتراوح بين 6 و8 دولارات، وهو ما يرفع متوسط أسعار الغاز إلى أكثر من 12 أو 13 دولارًا”.
ولفت إلى أن “أسعار المنتجات ارتفعت على مستوى العالم، خاصة المنتجات الصناعية، فعلى سبيل المثال، ارتفعت تكلفة صناعة الأسمدة، إذ كان سعر طن اليوريا 350 دولارًا، ووصل الآن إلى 900 دولار”.
وأضاف: “الأمر نفسه حدث في صناعات الحديد والأسمنت والسيراميك، فجميع المنتجات التي تعتمد على الغاز الطبيعي أو الوقود البترولي في الصناعة ارتفعت تكلفتها، لكن على مستوى المنازل والأفراد نحاول الحفاظ على الأسعار حتى لا ترتفع”.
وأردف: “إنتاجنا يقترب من 4 مليارات قدم مكعبة من الغاز، بينما يبلغ استهلاكنا نحو 6.5 مليارات قدم مكعبة، ويوجد نحو 1.3 مليار قدم مكعبة من الغاز القادم من إسرائيل، بالإضافة إلى ملياري قدم مكعبة من الغاز المستورد من الخارج”.
وأكد أن “جميع الاكتشافات التي تحققت حتى الآن تعوض الانخفاض التدريجي الذي حدث في عام 2025، ولا يوجد أي اكتشاف تجاوز حجم الإنتاج الذي خسرناه خلال العام الماضي”.
وأشار إلى أنه “لكي يتحقق التوازن في أسعار المنتجات البترولية، نحتاج إلى أحد حلين: إما زيادة كبيرة في الإنتاج المحلي لتغطية الاستهلاك وعدم اللجوء إلى الاستيراد، أو ترشيد الاستهلاك، وهو الحل الأقرب والأفضل”.
وأكد أن “قطاع الكهرباء وقطاع النقل والمواصلات هما الأكثر استهلاكًا للغاز، إذ يستهلكان نحو 60% من إجمالي استهلاكنا، وإذا تمكنا من خفض هذا الاستهلاك بنسبة 50%، وتحويل النسبة الأخرى إلى الطاقة المتجددة، سواء الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، فمن الممكن ألا نحتاج إلى استيراد الغاز”.
وأضاف: “وينطبق الأمر نفسه على المنتجات البترولية، فلو استطعنا تحويل السيارات العاملة بالبنزين والسولار إلى سيارات كهربائية، يمكن خفض الاستهلاك بنسبة 50%، بما يمكننا من الاستغناء عن استيراد أي منتجات بترولية سائلة، فنحن بحاجة إلى إدارة الموارد بطريقة أفضل مما تدار به الآن”.
واختتم حديثه بالتأكيد أن “هناك تعليمات للوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 45% من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2028، بالإضافة إلى أن محطة الضبعة النووية ستنتج نحو 15% بمفردها، وهو ما يعني خفض نحو 60% من إجمالي الوقود البترولي المستخدم في محطات الكهرباء”.
عصر الغاز والنفط انتهى
من جانبه، قال الدكتور هاني النقراشي، عضو المجمع العلمي المصري والرئيس الشرفي لجمعية البيئة العربية، في حديثه لـ”القصة”، إن “خميسة” علامة تجارية تدل على جودة المنتج، ومسجلة في مصر والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، لمنع أي جهة أجنبية من تسجيلها وحرمان الشعب المصري من خواصها المتميزة.
وأضاف أن “مخطط خميسة يقوم على التحول التدريجي لإنتاج الكهرباء في مصر من الوقود الحفري إلى استخدام طاقة الإشعاع الشمسي المباشر، المتاحة طوال العام تقريبًا في جميع أنحاء مصر”.
وأوضح أن “الإشعاع الشمسي يحمل مكونين أساسيين من الطاقة، هما الحرارة، وتمثل نحو الثلثين، والضوء، ويمثل نحو الثلث، وعند تركيز الإشعاع الشمسي على بؤرة معينة تتحول الطاقة الضوئية إلى حرارة عند اصطدامها بجسم صلب، لتنضم إلى الجزء الحراري وترتفع درجة الحرارة إلى أكثر من 500 درجة مئوية”.
وأضاف أن “هناك تقنيتين أثبتتا قدرتهما على الوصول إلى هذه الحرارة العالية، وهي تعادل درجة حرارة حرق الغاز أو النفط، التي تتراوح بين 420 و520 درجة مئوية، والمستخدمة في مراجل محطات الكهرباء التقليدية لإنتاج بخار الماء بضغط عالٍ يدير التوربينات البخارية ومن ثم مولدات الكهرباء”.
وتابع: “الحرارة المنتجة نهارًا تُنقل بواسطة سائل خاص مكون من أملاح منصهرة تتحمل درجات حرارة تصل إلى 600 درجة مئوية، وتُخزن في صهاريج معزولة تكفي لتشغيل التوربينات نهارًا وليلًا، مع الأخذ في الاعتبار أن أطول ليل في مصر يبلغ 14 ساعة، بينما أقصر نهار يبلغ 10 ساعات، وتقع مصر ضمن الحزام الشمسي بين دائرتي عرض 20 و30 درجة، وهو ما يعد ميزة جغرافية كبيرة”.
ولفت إلى أن “هذه المزايا، إضافة إلى امتداد الصحراء شرقًا وغربًا حول وادي النيل، تتيح إنشاء محطات شمسية قريبة من مواقع استهلاك الكهرباء”.
وأشار إلى أن “كل هذه العوامل توفر كهرباء مستقرة وآمنة وخالية من الذبذبات الضارة، وبتكلفة مناسبة، كما أن أشعة الشمس لا تحتاج إلى النقل عبر الأنابيب، ولا تتأثر بإغلاق مضيقي هرمز أو باب المندب”.
وأضاف أن “التصميم الهندسي لمخطط خميسة يتكون من خمس محطات شمسية حرارية مزودة بتخزين حراري، تعمل طوال العام، إلى جانب محطة طوارئ تعمل بالغاز الحيوي المستخرج من المخلفات الزراعية أو الوقود السائل”.
وأردف: “تبلغ قدرة كل محطة شمسية 50 ميجاوات، وكذلك محطة الطوارئ، وترتبط جميعها بشبكة كهربائية فرعية تغذي طلمبات رفع المياه والمصانع والمدن المجاورة، ويمكن فصلها عن الشبكة القومية في حالات الكوارث الطبيعية أو الهجمات السيبرانية”.
وأضاف أن هذه المنظومة تحقق ثلاث فوائد، هي: تأمين الشبكة الرئيسية ضد الهجمات السيبرانية والكوارث الطبيعية، والاستغناء عن تقوية الشبكة الرئيسية، وتقليل الفاقد في شبكات التوزيع.
وأكد أن “هذه العوامل تحقق وفرًا كبيرًا في التكلفة الرأسمالية عند التخطيط السليم، من خلال تحويل كهرباء مصر إلى جزر كهربائية مستقلة يمكن ربطها بالشبكة الرئيسية أو فصلها عنها وفقًا لظروف التشغيل والأمان”.
وأوضح أن “إنشاء المحطات الخمس الأولى يستغرق من 3 إلى 5 سنوات، حيث تبدأ أول محطة العمل بعد ثلاث سنوات من بدء التنفيذ، وخلال هذه الفترة يتحقق وفر في الوقود يعادل تكلفة إنشاء المحطة السادسة”.
وأضاف: “عند الاستمرار في هذه السياسة، لن تكون هناك حاجة إلى الاقتراض من البنوك لبناء محطات جديدة، لأن الوفر الناتج عن الوقود سيُستخدم في تمويل التوسع، دون تحمل فوائد القروض”.
واختتم حديثه بالتأكيد أن “المحطة التقليدية التي تبلغ تكلفتها مليار دولار تستهلك خلال عمرها الافتراضي، البالغ 40 عامًا، وقودًا بقيمة 30 مليار دولار، بينما تتكلف محطات خميسة، بنفس القدرة والعمر والأداء، نحو 5 مليارات دولار، مع توفير مليار دولار إضافي نتيجة الاستغناء عن تقوية الشبكة”.