تمهيد بصري وإنساني يتجاوز الدراما التقليدية
منذ اللحظات الأولى، يعلن مسلسل «كان ياما كان» انحيازه للرمز والدلالة، عبر اختيار لقطات لعلم فلسطين، ثم الانتقال إلى مشاهد البطيخ كرمز شعبي للمقاومة الفلسطينية، في افتتاحية ذكية تؤكد أن العمل لا ينفصل عن قضايا الوجدان الجمعي والإنساني، حتى وهو يقدّم حكاية اجتماعية تبدو بسيطة في ظاهرها.
ويكتمل هذا التمهيد باختيار أغنية «كان ياما كان» التي حمل المسلسل اسمها، التي قامت بغنائها ميادة الحناوي وألحان بليغ حمدي، لتضفي على التتر طابع الحنين والأسى، وكأنها تحكي قصة حب قديم نسي أصحابه الاعتناء به.
حلقة تأسيسية ترسم ملامح الأزمة
الحلقة الأولى تأتي كحلقة تمهيدية تهدف إلى تجميع الدلائل لا شرحها، حيث يقدّم المسلسل إطارًا اجتماعيًا تقليديًا لأسرة مصرية: ماجد الكدواني في دور مصطفى، طبيب نساء وتوليد.
يسرى اللوزي في دور ولاء زوجته
ابنتهما فرح، التي تمثل الجيل الأكثر تأثرًا بالصمت والخلافات غير المعلنة.
مصطفى نموذج مألوف للرجل المصري المستغرق في دوامة العمل والالتزامات، حيث يتحول الزواج إلى روتين يومي يخلو من التفاصيل الإنسانية الصغيرة.الشرارة: نسيان عيد الميلاد
الحدث المفجّر للأزمة يبدو بسيطًا ظاهريًا:
مصطفى ينام قبل منتصف الليل بساعة الا ربع، وينسى أن يهنئ ولاء بعيد ميلادها.
لكن المسلسل يتعامل مع هذا النسيان باعتباره عرضًا لمرض أعمق، لا سببًا منفردًا للأزمة.
مشهد الصباح: الغياب كحضور طاغٍ
يبدأ المسلسل بمشهد صباحي اعتيادي يتحول سريعًا إلى لحظة قلق:منبه يرن.
استيقاظ مفزوع.
سرير خالٍ.
بيت صامت.
بحث مصطفى في الشقة، ثم في غرفة ابنته، يعكس ارتباكًا متصاعدًا، بينما تتعامل فرح مع غياب الأم ببراءة لا تخلو من القلق، في إشارة مبكرة إلى امتداد الأزمة خارج إطار الزوجين.
الاتصالات.. وإنكار الأزمة
مكالمات مصطفى المتتالية لزوجته ثم لحماته، تكشف حالة إنكار واضحة:
«ربنا ما يجيب خناق»
لكن سؤال الأخت:
«قولتلها كل سنة وأنت طيبة؟»
يكشف أن الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكم صامت.
مشهد العيادة: عقلية التبسيط الذكوري
حديث مصطفى مع زميله طبيب الأسنان يختزل نظرة اجتماعية شائعة:
هدية
مفاجأة
وانتهى الأمر
الزميل لا يرى في غياب الزوجة سوى “زعل عابر”، ما يعكس ثقافة تستخف بالمشاعر النسائية، وهو ما يتبناه مصطفى في البداية دون وعي.
الهدية: اعتذار مادي متأخر
مرافقة مصطفى لحماته لشراء الهدية تكشف تناقضًا مهمًا:الأم تختار ذهبًا تقليديًا.
مصطفى يصر على شيء “تلبسه”.
الهدية هنا لا تُقدَّم كحب، بل كـ محاولة تعويض، بينما خاتم الحماة الذي تؤكد أنه “ليها مش لولاء” يحمل دلالة رمزية عن المسافة العاطفية المتراكمة.
فرح… ضمير الحكاية
مشهد المدرسة من أهم مشاهد الحلقة:
فرح الأولى على المدرسة.
فرح بالإنجاز، لكن القلق لا يغيب.
طلب توقيع إقرار للعب كرة القدم.
رفض مصطفى التوقيع دون موافقة الأم يكشف هشاشة غيابه المفاجئ: حتى قرارات الأبوة أصبحت ناقصة بدون وجود ولاء.
الاتصال القصير: ذروة الإحباط
حين تتصل فرح بأمها وتنجح في الوصول إليها، تضيع اللحظة:
الطفلة تحاول السؤال عن أمور أهم.
الأب يلح على تهنئة متأخرة.
الأم تغلق الهاتف.
القطيعة هنا لم تعد صامتة… بل معلنة.
التحضير للاحتفال: محاولة إنقاذ أخيرة
التحضير لحفلة عيد الميلاد، التورتة، الزينة، مشاركة الأخت عبر الهاتف، كلها تمثل محاولة يائسة لإصلاح ما أفسده الإهمال الطويل، في مشهد يفيض بالمفارقة بين النية الطيبة والتوقيت الخاطئ.ولاء خارج البيت: استعادة الذات
مشاهد ولاء وحدها تحمل ثقلًا نفسيًا كبيرًا:
مطعم قديم.
مكان أُزيل منذ زمن.
جملة الويتر: «واضح إن حضرتك بقالك كتير مجتيش».
هي ليست مجرد جملة… بل توصيف لحال ولاء نفسها.
لقاؤها برجل من الماضي، وتهنئته لها بعيد ميلادها، يأتيان كصفعة رمزية: الغريب تذكّر… والأقرب نسي.
العودة والمواجهة الصامتة
مفارقة درامية قوية:
البواب يهنئها.
الجميع يتذكر عيد ميلادها.
البيت يستقبلها باحتفال.
لكن بعد الأمنية… تأتي الجملة الفاصلة:
«طلقني»
الجملة لا تُقال في انفعال، بل في هدوء قاطع، وكأن القرار اتُّخذ منذ زمن.
الخلاصة
الحلقة الأولى من «كان ياما كان» ليست عن اختفاء زوجة، بل عن اختفاء الاهتمام تدريجيًا داخل مؤسسة الزواج.
العمل يطرح سؤالًا جوهريًا:
متى يتحول الصمت إلى قرار؟
ومتى يصبح الاعتذار متأخرًا مهما كان صادقًا؟