في شوارع قبل أذان المغرب في رمضان يتكرر المشهد يوميًا: حركة مرور متكدسة، أسر تتهيأ للإفطار وأصوات الأذان تتعالى من المساجد في تلك اللحظة التي تتباطأ فيها المدينة لثوان يندفع عامل التوصيل بدراجته النارية في الاتجاه المعاكس للزمن، محملًا بحقائب حرارية وأكياس طلبات.
في مصر يطلق عليه كثيرون اسم “الطيار”، في إشارة إلى سرعته لكن رمضان بالنسبة إليه ليس موسمًا للسكينة بقدر ما هو ذروة ضغط مهني يمتد لساعات طويلة.
خلال هذا الشهر تتضاعف الطلبات في المطاعم والسلاسل التجارية والصيدليات وتتركز الذروة في الساعة السابقة للمغرب هذه الفترة القصيرة تحدد حجم الدخل اليومي للعامل، كما تختبر قدرته على التحمل الجسدي والنفسي.
أحمد عامل دليفري: لم أفطر مع أسرتي منذ سنوات
أحمد 27 عاما يعمل في خدمة التوصيل بأحد مطاعم مدينة 6 اكتوبر يبدأ عمله في الثانية ظهرًا، يقول: منذ الرابعة عصرًا يبدأ الضغط الحقيقي قبل الأذان بساعة تتضاعف الطلبات، والجميع يريد استلام وجبته قبل دقائق من المغرب منذ ثلاث سنوات لم أتناول الإفطار مع أسرتي في موعده أكون في الشارع وقت الأذان، أتناول تمرة أو أشرب ماء سريعًا، ثم أواصل التوصيل.
غالبًا ما يكون إفطاري الفعلي بعد صلاة العشاء
يصف أحمد يومه في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، بأنه سلسلة متواصلة من البلاغات الهاتفية والتنبيهات الإلكترونية قد أصل إلى عشرين طلبًا في اليوم أي تأخير بسبب ازدحام أو حادث مروري ينعكس مباشرة في شكوى أو تقييم سلبي، بينما لا يرى العميل سوى توقيت وصول طعامه.
كريم عامل دليفري: السحور أحيانًا في الطريق
في حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، يعمل كريم 29 عامًا في توصيل طلبات أحد المتاجر الكبرى تختلف طبيعة عمله عن المطاعم إذ تشمل الطلبات سلعًا غذائية ومشروبات وأحيانًا حمولات ثقيلة.
يقول كريم، في تصريح خاص لـ موقع “القصة”، الذروة تبدأ قبل المغرب بساعتين تقريبا كثير من الأسر تكتشف فجأة نقص بعض الاحتياجات، فتتضاعف الطلبات. المرتب ثابت مع نسبة محدودة، ويظل المقابل الإضافي مرتبطًا بعدد الطلعات
ويضيف عامل الدليفري، لا أتمكن من الإفطار مع أسرتي، “بفرش علي بلاط المحل وافطر علي السريع”، وغالبًا أعود إلى المنزل بعد التاسعة أو العاشرة مساءً في بعض الأيام لا أتناول السحور في البيت أيضا يستمر العمل حتى ما قبل الفجر فأضطر إلى شراء طعام بسيط من أحد الأكشاك في الطريق أصل إلى المنزل منهكًا، وأعود بعد ساعات قليلة إلى العمل من جديد.
محمد: طلبات طارئة لا تنتظر
أما محمد 30 عامًا، فيعمل في توصيل الطلبات لصيدلية تعمل على مدار 24 ساعة في اكتوبر، يؤكد أن الضغط في رمضان لا يقتصر على الطعام، نتلقى طلبات لأدوية مزمنة قبل الإفطار بدقائق، وأحيانًا حالات طارئة لأطفال أو كبار سن لا يمكن تأجيل هذه الطلبات.
وفي تصريح خاص لـ موقع “القصة”، يستعيد محمد عامل الدليفري، موقفًا من العام الماضي: “قبل الأذان بدقائق وصلني طلب لدواء عاجل لمريض قلب تأخرت بسبب الازدحام، لكنني أدركت أهمية الوصول في أسرع وقت في تلك الليلة لم أتناول الإفطار إلا بعد العشاء إلا أنني شعرت بأن العمل يتجاوز مجرد التوصيل”.
اقتصاد السرعة
توسع سوق خدمات التوصيل في مصر خلال السنوات الأخيرة، وارتبط ذلك بانتشار التطبيقات الرقمية والعروض الموسمية في رمضان تحديدًا، تتحول الزيادة في الاستهلاك إلى ضغط مباشر على عمال التوصيل كما يفرض نظام التقييمات معادلة دقيقة إذ يمكن لانخفاض التقييم أن يؤثر في عدد الطلبات، وبالتالي في الدخل.
رمضان خارج المائدة
المفارقة أن العامل الذي يطرق أبواب البيوت حاملاً وجبات الإفطار واحتياجات السحور، غالبًا لا يجلس إلى مائدة مكتملة في موعدها يتحول الإفطار إلى لقيمات سريعة بين جولة وأخرى، ويصبح السحور أحيانًا وجبة عابرة في الطريق.
في اللحظة التي تتوقف فيها المدينة لاستقبال الأذان، يكون “الطيّار” في ذروة حركته رمضان بالنسبة إليه موسم عمل شاق يمر سريعًا كما تمر طلباته بين الأحياء، تاركًا وراءه شهرًا من الجهد المتواصل، لا يعرف فيه طعم الراحة إلا نادرًا.