المعارضة الحقيقية ليست خصومة مع الدولة، ولا عداءً مع مؤسساتها، وليست سعيًا لإثبات الذات أو تصفية حسابات شخصية. المعارضة الوطنية هي في جوهرها شراكة غير مباشرة في بناء الوطن، تقوم على النقد المسؤول، وتقديم البدائل، والدفاع عن مصالح الناس دون مزايدة أو هوى.
حين تكون المعارضة للوطن، فإنها تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار، فلا تنجر وراء نزعات شخصية، ولا توظف غضب الشارع لتحقيق مكاسب فردية أو حزبية. هي معارضة تُخطئ وتُصيب، لكنها لا تُضلل، وتعارض السياسات لا الدولة، وتنتقد الأداء دون المساس بثوابت الوطن وأمنه واستقراره.
غير أن المسؤولية لا تقع على المعارضة وحدها، بل تقع أيضًا — وبوضوح — على النظام الحاكم. فالمعارضة الحقيقية لا تُصنَع ولا تُفصَّل على مقاس السلطة، ولا تولد بقرار إداري. إنما تنشأ حين يقبل النظام الرأي الآخر بوضوح، ويفتح المجال للنقد الجاد، ويدرك أن الاختلاف ليس تهديدًا للدولة، بل أحد مقومات قوتها.
والحقيقة أن كثيرًا من المسؤولين، وزراء كانوا أو قيادات تنفيذية، لا يرغبون في مواجهة معارض حقيقي؛ لأن هذا المعارض سيضعهم أمام الحقيقة المرة، وسيواجههم بضغوط حقيقية من أجل مصلحة البلد والناس، لا من أجل راحة المسؤول أو استقرار موقعه. لكن النظام السياسي القوي هو الذي لا يهرب من هذه المواجهة، بل يعتبرها ضرورة للإصلاح وتصحيح المسار.
وفي المقابل، تتحمل المعارضة نفسها مسؤولية لا تقل أهمية. فالمشكلة تبدأ عندما تتحول المعارضة إلى حالة انفعالية، تُدار بالعاطفة لا بالعقل، وبالشعارات لا بالحلول. معارضة الهوى تبحث عن التصفيق، وتغذي الإحباط، وتُعمّق الانقسام، دون أن تقدم تصورًا واقعيًا أو طريقًا واضحًا للإصلاح. وهنا تفقد المعارضة دورها، بل تتحول إلى عبء على الوطن بدل أن تكون سندًا له.
الإصلاح الحقيقي للمعارضة يبدأ من مراجعة الذات، والاعتراف بالأخطاء، والتخلي عن منطق المزايدة، والعودة إلى الناس لا الحديث باسمهم فقط. يبدأ من تقديم حلول قابلة للتنفيذ، ورؤى واضحة، ومخاطبة الدولة بلغة المسؤولية لا بلغة الاتهام الدائم. فالوطن لا يُبنى بالصراخ، ولا يُصلح بالهدم، بل بالحوار والتقويم والمشاركة الواعية.
وفي هذه اللحظة الفارقة، يجب إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفتح باب حوار مجتمعي واسع وحقيقي، يشارك فيه الجميع دون إقصاء، وتُرفع فيه قيمة المعارضين الوطنيين، لا تهميشهم، ويتم إشراكهم بجدية في بناء دولة تتسع لكل أبنائها. وهي نفس الرسالة التي أكد عليها السيد الرئيس في خطابه الأخير في الرابع والعشرين من يناير، خلال احتفالية عيد الشرطة، حين شدد على أن مصر دولة تتسع للجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء للوطن.
إن النظام السياسي القوي هو النظام الذي يمتلك معارضة قوية، والمعارضة القوية لا تنمو إلا في مناخ يسمح لها بالوجود الحقيقي. نظام يواجه الحقيقة، ويجلد ذاته سياسيًا من أجل مصلحة شعبه، لا من أجل حماية شبكة مصالح ضيقة مستعدة للتضحية بالوطن مقابل استمرار نفوذها.
في النهاية، لا دولة قوية بلا معارضة وطنية حقيقية، ولا معارضة ذات قيمة بلا نظام يعترف بحق الاختلاف. فالوطن أكبر من الجميع، والحقيقة — مهما كانت مُرّة — هي الطريق الوحيد للإصلاح، والاستقرار، وبناء مستقبل يستحقه هذا الشعب.