أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

المواطن بين الانتماء والاصطفاف (الهجينة السياسية) 

في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين يواجه مفهوم المواطنة اختباراً وجودياً يتجاوز الانتماء الجغرافي أو القانوني ليصل إلى لب الهوية الفردية والجماعية لم تعد المواطنة مجرد علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة تحددها الحقوق والواجبات بل تحولت إلى هجينة سياسية معقدة حيث يجد المواطن نفسه معلقاً بين انتمائه الوطني واصطفافه السياسي هذه الظاهرة تطرح عدد من الأسئلة كيف تتحول الدولة من فضاء جامع إلى آلة تصنيف؟ وما مصير المشترك الوطني عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى معيار للقبول والاستبعاد؟

تقوم فكرة المواطنة الحديثة في جوهرها الفلسفي على عقد افتراضي يجعل من الدولة كياناً محايداً تجاه انتماءات مواطنيها الأيديولوجية لكن هذه الحيادية المزعومة تتعرض لاختبار قاس في ظل الدول التي تتحول إلى دول أحادية الرواية حيث تتداخل هوية النظام السياسي مع مفهوم الوطن ذاته هنا تظهر المفارقة الكبرى كيف تتبنى الدولة خطاباً ليبرالياً يضمن حرية التعبير السياسي ثم تمارس تمييزاً منظماً ضد من يستخدمون هذه الحرية بطريقة تتعارض مع رواية السلطة؟

الفيلسوف الفرنسي إتيان باليبار يشير إلى أن المواطنة الحقيقية تتطلب حق الحقوق أي الحق في أن يكون للمرء حقوق بغض النظر عن انتماءاته لكن عندما تتحول المواطنة إلى هجين بين الانتماء الوطني والولاء السياسي ينشأ نظام جديد من المواطنة المتدرجة حيث تتعزز حقوق البعض وتتهمش حقوق آخرين بناءً على محض آرائهم ومواقفهم.

أخبار ذات صلة

IMG_20260525_180411
غضب في إسرائيل.. هل واشنطن وطهران على اتفاق مشترك؟
أحمد منتصر
مفاوضات الشروط في واشنطن.. هل يوقع لبنان على "هدنة مفخخة"؟
حمدين صباحي
حمدين صباحي لـ "القصة": توقيف حقوقيين "علامة خطر" ويستدعي مراجعة المسار

تتشكل منظومات التمييز السياسي غالباً عبر آليات خفية تتحول تدريجياً إلى بنى مؤسسية راسخة تبدأ بلغة خطابية تفرق بين المواطن الوطني والمواطن المنحرف ثم تتحول إلى سياسات ممنهجة في التوظيف والترقيات والمنح الدراسية والتمثيل العام في بعض الحالات تتحول البيروقراطية الحكومية إلى أداة لخرائط الولاء حيث تصنف المواطنين بناءً على نشاطاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاركاتهم في فعاليات معينة أو حتى علاقاتهم الاجتماعية.

الأكثر خطورة هو تحول هذه الآليات إلى عنف رمزي يطبعه المجتمع حيث يبدأ المواطنون أنفسهم بممارسة التصنيف والاستبعاد ضد بعضهم البعض معتقدين أنهم يخدمون بذلك الوطن بينما هم في الحقيقة يهدمون أسس التعايش المشترك فالوطن هنا يتحول من فضاء جامع إلى ساحة تصنيف حيث تذوب فكرة المساواة أمام القانون في بحر من المحسوبيات السياسية والاستبعاد الأيديولوجي.

اغتراب في الوطن

عندما يتحول الوطن إلى فضاء مشروط بالاصطفاف السياسي يولد لدى المواطن ما يمكن تسميته الاغتراب الداخلي ذلك الشعور بالغربة داخل المكان الذي يفترض أنه بيته ومصدر انتمائه هذا الاغتراب لا يقود فقط إلى عزلة سياسية بل إلى شرخ في الهوية الشخصية حيث يصبح المواطن منقسماً بين ولائه لذاته الفكرية وولائه لمجتمعه السياسي ..

النتيجة الاجتماعية الأكثر وضوحاً هي تفكك النسيج الاجتماعي حيث تتحول الخلافات الفكرية الطبيعية في أي مجتمع صحي إلى هويات منغلقة ومتضادة فالعائلات تتفكك الصداقات تتبدد والجوار يتحول إلى جبهات متوترة في مواجهة هذا الواقع يطور المواطنون استراتيجيات بقاء متعددة من التمويه السياسي حيث يخفي الفرد معتقداته الحقيقية إلى الانكفاء المدني حيث ينسحب من الفضاء العام تماماً وصولاً إلى الهجرة الداخلية حيث يخلق لنفسه فضاءات موازية منعزلة عن المجتمع الأوسع.

يتحدى نموذج الهجينة السياسية أحد المبادئ الأساسية للديمقراطية فكرة أن الدولة يجب أن تكون بيتاً لكل مواطنيها بغض النظر عن اختلافاتهم والسؤال المصيري الذي تطرحه هذه الظاهرة هو هل يمكن للدولة أن تدير تنوعاً سياسياً حقيقياً دون أن تتحول إلى آلة استبعاد؟ التاريخ يقدم إجابات مركبة فالدول التي نجحت في احتواء تنوعها السياسي كما في بعض الديمقراطيات التوافقية حافظت على تماسك اجتماعي أقوى بينما تلك التي سعت إلى فرص رواية أحادية انتهت إما إلى قمع منهجي أو إلى حروب أهلية.

النماذج المقارنة تظهر أن حل هذه المعضلة لا يكمن في إنكار الخلاف السياسي بل في تأطيره ضمن عقد اجتماعي متجدد فتجربة جنوب إفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري على كل تعقيداتها تقدم مثالاً على محاولة لبناء مواطنة تتسع للتنوع من خلال لجنة الحقيقة والمصالحة وبالمقابل تظهر تجارب دول عربية عدة كيف أن تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة أمنية يقود إلى تفجير المجتمع من الداخل.

في قلب هذه الإشكالية هل يحق لأي نظام سياسي بغض النظر عن شرعيته أن يميز بين مواطنيه على أساس آرائهم السياسية؟ الإجابة الواضحة هي أن التمييز السياسي ينتهك مبدأ المساواة الإنسانية الأساسي ويحول الحقوق من مكتسبات إنسانية إلى امتيازات ولاء والخروج من هذه المعضلة يتطلب إعادة تصور جذرية لمفهوم المواطنة نحو نموذج المواطنة التضمينية التي تفصل بشكل واضح بين الحقوق الأساسية غير القابلة للمساومة الحق في الحياة، الكرامة، المحاكمة العادلة، المشاركة السياسية وبين المواقف والانتماءات السياسية المتغيرة وهذا النموذج يستند إلى ثلاثة أركان أولها ضمانات دستورية وقانونية تمنع أي تمييز على أساس الرأي السياسي وتحمي استقلالية القضاء كحكم نزيه في النزاعات بين المواطن والدولة بجانب إصلاح مؤسسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن بحيث تكون المؤسسات العامة فضاءات خدمة محايدة وليس أدوات للحزب الحاكم أو النظام السياسي بالإضافة إلي نهضة مجتمعية تعيد بناء خطاب الانتماء الوطني خارج ثنائية الولاء – الخيانة وتعزز فكرة أن الخلاف السياسي ليس شكلاً من أشكال الخيانة بل دليل على صحة الجسم السياسي.

الخطر الأكبر في تحول المواطنة إلى هجينة سياسية هو ليس فقط في الظلم الذي يلحق بفئات معينة بل في تحويل الوطن نفسه إلى أرض خاوية من معنى الانتماء الحقيقي الوطن الحقيقي ليس الأرض التي نعيش عليها فقط بل الفضاء الذي نعترف فيه ببعضنا كشركاء في المصير بغض النظر عن اختلاف قراءاتنا لهذا المصير.

إن استعادة هذا المفهوم يتطلب شجاعة نقدية من جميع الأطراف شجاعة النظام في تقبل معارضيه كمواطنين وليس كأعداء وشجاعة المعارضة في رؤية الوطن كبيت مشترك وليس كغنيمة وشجاعة المجتمع في رفض ثقافة التصنيف والاستبعاد فقط عبر هذه الشجاعة الجماعية يمكن تحويل الوطن من ساحة تصنيف إلى فضاء تعايش حيث تثري الاختلافات السياسية النقاش العام بدلاً من أن تفقره وتقوي النسيج الوطني بدلاً من أن تمزقه.

وأخيراً، التحدي الذي تطرحه الهجينة السياسية هو اختبار لنضجنا الجماعي هل نستطيع أن نبني أوطاناً تتسع لنا جميعاً أم سنستسلم لغريزة التصنيف التي تحول الوطن إلى قبائل متحاربة؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير أنظمتنا السياسية بل مصير فكرة الوطن ذاتها في وجدان الأجيال القادمة.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

المصري وأبو الديار وطنطاوي
أحزاب المعارضة تدين استمرار حبس أصحاب الرأي وتطالب بالإفراج عن المحتجزين
2dc836dd-734d-4e17-93af-97c83f00b2bf_16x9_1200x676
هدنة طويلة الأمد.. هل أغلق ترامب ملف نتنياهو أخيرًا؟
l
صدور الطبعة الثانية من "ملحمة المطاريد" لـ عمار علي حسن
المصري وأبو الديار وطنطاوي
خالد علي: بدء التحقيقات مع وفاء المصري وحنان طنطاوي ومحمد أبو الديار

أقرأ أيضًا

شيماء سامي
سناجل بلا فخر.. أن تبحث عن الحب في زمن الزيف
عامر الشوبكي
العالم يلتقط أنفاسه.. والأسواق تنتظر أكبر هبوط لأسعار النفط منذ بداية الأزمة
محمد المنشاوي
خطة "أوديد إينون" المسمومة
IMG_3567
أحمد سراج يطرح السؤال: دار الكتب.. قيود فاشية وفضائح مستمرة أم قوة ناعمة وتطورات واجبة؟