إدارة ثلاثية لسدّ النهضة هي القضية الأكثر إلحاحًا، خاصةً في السنوات العِجاف التي بدأت مع ظاهرة النينيو، وتمثل أيضًا اختبارًا حقيقيًا لقدرة دول الحوض على التعامل مع نقص المياه. وتعلن مصر والسودان هذا المطلب دائمًا في المفاوضات التي دامت لعشرات السنين، فيما يتعنت الجانب الآخر، إثيوبيا، التي تماطل وتتهرب، حتى ظهر وجهها الحقيقي أمام العالم.
هل بدأت السنوات العجاف في السودان؟
وزارة الري السودانية، صرحت بشأن انخفاض منسوب مياه النيل الأزرق، وربطها بتراجع التصريفات من سد النهضة الإثيوبي، التصريحات ذاتها لم تكن مجرد إعلان عن تراجع مؤقت في وارد المياه، بل أصبحت مفتاحًا لفهم ما وراء الأرقام، وطبيعة التحديات التي تفرضها إدارة نهر عابر للحدود في ظل وجود سدود كبرى تتحكم في جزء من تدفقاته.
انخفاض مناسيب المياه.. من يتحكم في مياه النهر
انخفاض المناسيب أعاد طرح تساؤلات حول العلاقة بين حجم التخزين في سد النهضة، وطريقة تشغيله، وتأثير ذلك على وصول المياه إلى دول المصب. فهل نحن أمام تغير عابر في حركة النهر، أم مؤشر على مرحلة جديدة في إدارة مياه النيل؟
ومن هذا المنطلق، أوضح الدكتور ضياء الدين القوصي، مستشار وزير الري الأسبق وخبير الموارد المائية، أن محاولة إثيوبيا زيادة كمية المياه المخزنة في بحيرة سد النهضة، وفقًا لما ذكره، من نحو 47 مليار متر مكعب إلى السعة التصميمية البالغة 74 مليار متر مكعب، تعد أحد العوامل المؤثرة في انخفاض منسوب المياه في السودان.
وأضاف القوصي أن تشغيل السد بالتزامن مع استكمال التخزين وتوليد الكهرباء قد يؤدي إلى تغيرات في كميات المياه الخارجة منه، موضحًا أن التوازن بين احتياجات التخزين وتشغيل التوربينات يؤثر على حجم التصريفات المتجهة إلى دول المصب.
وأشار إلى أن الكميات الحقيقية للمياه المخزنة داخل السد لا يمكن تحديدها بدقة إلا من خلال البيانات التي تقدمها إثيوبيا، مؤكدًا أن شفافية المعلومات بين دول النهر الأزرق تمثل عنصرًا أساسيًا لتقليل الأزمات المتعلقة بالمياه. وأوضح أن تحديد تأثير أي تغير في تصريفات المياه يحتاج إلى متابعة زمنية دقيقة، خاصة أن تدفقات النهر لا تعتمد فقط على تشغيل السدود، وإنما ترتبط أيضًا بكميات الأمطار التي تأتي من الطبيعة ولا يمكن التحكم فيها.
غياب الشفافية وتساؤلات حول البيانات
كما أوضح القوصي أن بعض البيانات المتداولة تحتاج إلى مراجعة دقيقة، مشيرًا إلى أن الحديث عن انخفاضات كبيرة في سد مروي يثير تساؤلات، خاصة أن السد يمتلك سعة تخزينية كبيرة. علاوة عن أن إمكانية توقع انخفاض التدفقات تصبح أكثر وضوحًا في حال تراجع كميات المياه الواردة من إثيوبيا، باعتبار أن المياه المتجهة إلى السودان تمر عبر سد النهضة قبل وصولها إلى المنشآت المائية السودانية.
عطش السودان يجدد أهمية قواعد ثلاثية للتشغيل
وأكد القوصي أن مطالبة مصر بضرورة مشاركة الدول الثلاث في إدارة سد النهضة تأتي -بحسب رؤيته- في مصلحة الجميع، موضحًا أن وجود آلية مشتركة لإدارة الخزان يمكن أن يساهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار لدول الحوض.
وشدد على أهمية تبادل المعلومات بشكل شفاف بين دول النهر الأزرق، إلى جانب وجود قواعد واضحة لتشغيل السد، بما يضمن إدارة أكثر استقرارًا للمياه وتقليل فرص حدوث أزمات مستقبلية، كما تملك مصر خبرة ممتدة في إدارة منظومة مائية متكاملة، بداية من السد العالي وبحيرة ناصر، مرورًا بخزان أسوان وعدد من المنشآت المائية مثل قناطر إدفينا ونجع حمادي وأسيوط، مؤكدًا أن هذه الخبرة يمكن أن تمثل عنصرًا مهمًا في إدارة وتشغيل سد النهضة.
وأكد مستشار وزير الري الأسبق أن واقعة انخفاض منسوب المياه في السودان كشفت عن عدد من الدروس، أبرزها ضرورة وجود اتفاق واضح بين الدول الثلاث حول قواعد تشغيل سد النهضة، والالتزام بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالأنهار المشتركة.
وشدد على أهمية وجود آليات لحل النزاعات بين الدول الثلاث، بما يضمن التعامل مع أي خلافات مستقبلية، مؤكدًا أن القضية الأساسية تتمثل في ضرورة وجود دور لمصر والسودان في إدارة سد النهضة، نظرًا لتأثير طريقة تشغيله على دول المصب.
السنوات العجاف.. هل تفسر انخفاض تدفقات النيل الأزرق؟
ومن جهته يرى الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن العامل المناخي يمثل أحد العناصر الرئيسية في المشهد الحالي، موضحًا أن العام الجاري يأتي ضمن ما يعرف بالسنوات العجاف، التي تشهد انخفاضًا في معدلات الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وهو ما ينعكس على حجم المياه الواردة إلى النيل الأزرق.
وأشار إلى أن منظمة الأمم المتحدة للمياه والأرصاد الجوية كانت قد تناولت في مايو الماضي تأثير بعض الظواهر المناخية على المنطقة، موضحًا أن هذه الظواهر قد تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة على الهضبة الإثيوبية والتأثير على تكوّن السحب الممطرة، وبالتالي انخفاض معدلات الأمطار التي تغذي منابع النيل.
وأوضح أن الفرق بين السنوات المعتادة والسنوات العجاف يظهر في حجم التدفقات المائية، إذ يساهم النيل الأزرق في المتوسط بنحو 50 مليار متر مكعب سنويًا، بينما قد تنخفض هذه الكمية خلال فترات الجفاف إلى ما بين 20 و24 مليار متر مكعب.، وانتقل نور الدين إلى ملف تشغيل سد النهضة، مؤكدًا أن سنوات الجفاف تحتاج إلى قواعد مختلفة عن سنوات الوفرة، بحيث تصبح الأولوية لتوفير المياه اللازمة لحياة الشعوب قبل أي اعتبارات أخرى.
وقال إن “حياة الشعوب أهم من توليد الكهرباء”، موضحًا أن إدارة السد خلال السنوات العجاف يجب أن تقوم على تحقيق التوازن بين احتياجات دول المنبع والمصب.
وأضاف أن مصر سبق أن اقترحت الاكتفاء بملء خزان سد النهضة بنسبة تتراوح بين 70% و80% خلال السنوات العجاف، باعتبار أن هذه النسبة يمكن أن تكون كافية لتوليد الكهرباء، إلا أن إثيوبيا لم توافق على هذا المقترح.
وأوضح أن الجانب الإثيوبي يصر على دخول المياه الواردة من الأمطار والنيل الأزرق إلى بحيرة السد أولًا، لاستكمال أي نقص في التخزين قبل تمرير المياه عبر فتحات التوربينات.
السودان.. أول المتأثرين بتراجع التدفقات
وأوضح أستاذ الموارد المائية أن تأثير طريقة إدارة السد ظهر في السودان، الذي كان يستقبل خلال شهر يوليو، أحد أشهر الفيضان الأعلى، نحو 12 مليار متر مكعب من المياه، إلا أن هذه التدفقات لم تصل بالمعدلات المعتادة حتى الآن.
وأضاف أن التعامل مع السنوات العجاف كان يمكن أن يتم عبر خفض الكميات بشكل متوازن، قائلًا: “بدلًا من 12 مليار متر مكعب، يمكن أن تصل 6 مليارات”، معتبرًا أن هذه الكمية تمثل حدًا يمكن التعامل معه.
ولفت إلى أن انخفاض المياه لا يقتصر تأثيره على الزراعة فقط، بل يمتد إلى مياه الشرب، حيث قد تؤدي زيادة معدلات العكارة إلى صعوبة تشغيل بعض المحطات، بما يؤثر على قدرة الدولتين على توفير الاحتياجات الأساسية.
جوهر الأزمة.. طريقة إدارة السد
ويرى نور الدين أن الأزمة الرئيسية لا تتمثل في نقص المياه فقط، وإنما في آلية إدارة السد، معتبرًا أن تخزين كل المياه الواردة خلال السنوات العجاف قبل ضمان احتياجات دول المصب يمثل مشكلة في إدارة نهر مشترك.
وشدد على أن مواجهة فترات الجفاف يجب أن تكون مسؤولية جماعية بين دول النيل الثلاث، بحيث تتحمل كل دولة جزءًا من التأثيرات، من خلال تقليل استهلاك الكهرباء في دولة المنبع مقابل الحفاظ على احتياجات المياه في دول المصب. وأكد أن الأنهار المشتركة لا يمكن إدارتها بقرارات منفردة، وإنما تحتاج إلى تنسيق مستمر واتفاقات واضحة بين جميع الأطراف.
قرارات التشغيل.. من الفيضان إلى الجفاف
وأشار نور الدين إلى أن قرارات تشغيل السدود الكبرى لا تؤثر فقط على كمية المياه، وإنما على توقيت وصولها أيضًا، مستشهدًا بما حدث في سبتمبر الماضي، عندما تم فتح بوابات السد -بحسب قوله- دون إخطار مسبق، ما أدى إلى تأثر مناطق في السودان وانعكاسات وصلت إلى مصر.
وأكد أن إدارة السدود تعتمد على التخطيط المسبق والتنسيق بين الدول، مشيرًا إلى أن امتلاك مصر للسد العالي وخبرتها في إدارة المياه لا يغني عن ضرورة التعاون مع دول النهر.
وأضاف أن النيل ليس ملكًا لدولة واحدة، وإنما نهر دولي تتشارك فيه دول المنبع والمصب، ومن ثم فإن إدارته تحتاج إلى رؤية جماعية.
واختتم نور الدين حديثه بالتأكيد على ضرورة العودة إلى مفاوضات تهدف إلى وضع قواعد واضحة لإدارة مياه النيل خلال السنوات العجاف، سواء من خلال اتفاق مباشر بين الدول الثلاث أو عبر وساطة دولية.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من دور الاتحاد الإفريقي في دعم التوصل إلى تفاهمات، مؤكدًا أن القضية الأساسية ليست فقط كمية المياه المتاحة، وإنما طريقة تنظيم تدفقاتها بين دول تعتمد على النهر نفسه.