هذا هو رمضان الرابع الذي يمرّ عليّ وأنا طالبة أدرس وأعمل في الوقت نفسه خارج محافظتي، بعيدةً عن أهلي، ومع ذلك كل رمضان يمر بإحساس مختلف عن سابقه.
أول رمضان في القاهرة
في سنتي الجامعية الأولى، لن أنسى تلك اللحظة التي بكيت فيها في كافيتريا الجامعة، حين طلبت من الدكتورة إجازة لأتمكّن من السفر وقضاء رمضان مع أسرتي، لكنها رفضت ذلك.
حينها انهالت عليّ الدموع حزنًا على حالي، إذ وصل بي الأمر إلى عدم استطاعتي قضاء شهر رمضان مع أسرتي وأصدقائي. مع ذلك، حاولت أن أتماسك وبقيت في القاهرة.
كنت آنذاك أتدرب في مؤسسة صحفية عن بُعد، فكان يومي ينقسم بين الدراسة في الجامعة صباحًا، وشيفت التدريب المسائي حتى موعد السحور، ثم أنام قليلًا لأستيقظ وأذهب إلى الجامعة في اليوم التالي.
أدركت أن الغربة ليست مجرد بُعد فقط، بل اختبارٌ للقلب والصبر معًا، كان رمضان الأول الأصعب، لكنه كان أيضًا البداية التي صنعتني كما أنا الآن، أكثر قوة، وأكثر إيمانًا بأن لكل تضحية ثمن.
ثاني رمضان في القاهرة
حلّ رمضان في سنتي الجامعية الثانية، وكنت حينها أعمل كصحفية حوادث في إحدى الصحف، فكنت أقضي نهاري بين أروقة المحاكم، مقسمةً أيامي بين الجامعة والمحاكم وأقسام الشرطة.
كانت الأيام التي قضيتها في المحاكم الأصعب، إذ كنت أشاهد مشاهد لم يخطر لي يومًا أن أراها؛ بين من جاء مظلومًا ومن جاء لارتكابه فعلًا، كنت أتابع كل ذلك، أحضر جلسات المحاكمات، أنتظر حكم القاضي، ثم أحرص على الحصول على صور المحاضر ومنطوق الحكم لأجلس بعدها وأكتب الأخبار وأرسلها للنشر، أحيانًا قبل الآذان بقليل.
أتذكر أنه كانت هناك أوقات تغلق فيها المحاكم أبوابها، فكنت أجلس في أحد المقاهي لأرسل الأخبار قبل نشرها على المواقع المنافسة، ثم أعود إلى المنزل لأستعد لليوم التالي.
ورغم صعوبة الأيام حينها وطول الساعات، علّمني رمضان ذلك العام معنى المثابرة والاجتهاد، وأن العمل والالتزام أحيانًا أصعب من الصيام نفسه، لكنه يمنح القلب شعورًا بالإنجاز والفخر.
ثالث رمضان في القاهرة
جاء رمضان في العام الثالث وكنت أشعر بقوة أكبر مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه في الوقت نفسه كان الأكثر شدة عليّ، بعد أن تخصصت في قسم الصحافة والنشر، ازدادت المهام الجامعية عن السابق، وتضاعفت أعباء العمل أيضًا. كنت أستيقظ صباحًا للذهاب إلى الجامعة، ثم أعود لأبدأ الشيفت المسائي، إلى جانب تنفيذ بعض مهام الدراسة.
ورغم كل هذه الضغوط، تعلمت كيف أوازن بين الدراسة والعمل، وكيف أواجه التحديات بصبر وإصرار.
رمضان الرابع
وها هو رمضان الرابع على الأبواب، وبعد أن كنت أحلم بقضائه كاملًا مع أسرتي، لن أتمكّن سوى من يومٍ واحد فقط، وها أنا الآن أجلس لألملم أشيائي استعدادًا للعودة إلى القاهرة، بعد قضائي أول يوم منه برفقة أهلي، لأواصل حياتي بين العمل والجامعة.