وفي الوقت الذي ينص فيه الدستور المصري على حرية الصحافة ويحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء جرائم محددة، يظل غياب قانون يمنع الحبس في قضايا النشر أحد الملفات العالقة في العلاقة بين التشريع والممارسة الصحفية.
عقدت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، مساء أمس السبت، ندوة نقاشية بعنوان «أثر عدم إصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر على العمل الصحفي وحرية الصحفيين»، لمناقشة مشروع القانون الذي أعدته لجنة التشريعات والحريات ضمن أعمال المؤتمر العام السادس للنقابة، وبحث سبل دفعه إلى المسار التشريعي وإقراره.
ومن هنا، فتحت نقابة الصحفيين ملف مشروع القانون الذي أعدته لجنة التشريعات والحريات ضمن أعمال المؤتمر العام السادس للنقابة، في محاولة لمناقشة أسباب تعثر إقراره، وتقييم المسار التشريعي اللازم لصدوره، والبحث في مدى استعداد البرلمان لتبني ضمانات أكثر فاعلية لحماية الصحفيين من الحبس بسبب عملهم المهني.
إيمان عوف: المشروع يستند إلى المادة 71 من الدستور المصري
وقالت إيمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، إن أهمية مشروع قانون منع الحبس في قضايا النشر لا تقتصر على تعديل بعض المواد القانونية، وإنما تمتد إلى تغيير فلسفة التعامل مع العمل الصحفي، في ظل استمرار محاكمة صحفيين واتهامهم بنشر أخبار كاذبة وحبسهم استنادًا إلى نصوص قانونية ترى النقابة ضرورة مراجعتها.
وأوضحت أن المشروع يستند إلى المادة 71 من الدستور المصري، التي تحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، باستثناء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، وفقًا لما ينظمه القانون. وشددت على أن هذا الحظر لا يمثل إعفاءً للصحفيين من المسؤولية القانونية، وإنما يستهدف ضمان عدم استخدام الحبس عقوبةً على ممارسة العمل الصحفي في الحالات التي يشملها النص الدستوري.
وأضافت أن مرور نحو 12 عامًا على إقرار المادة الدستورية لم يؤدِّ، من وجهة نظرها، إلى استكمال المنظومة التشريعية اللازمة لتفعيلها، مشيرة إلى استمرار وجود مواد في قانون العقوبات تتيح الحبس في قضايا تتعلق بالنشر والعلانية، رغم عدم ارتباط بعض الاتهامات، بحسب تقييم النقابة، بالتحريض على العنف أو التمييز.
وضربت عوف مثالًا بالمواد 102 و102 مكرر، إلى جانب المواد 177 و178 و178 مكرر و180 و184 و186، معتبرة أن استمرار هذه النصوص يتيح ملاحقة الصحفيين جنائيًا بسبب ما ينشرونه. كما طالبت بمراجعة مواد أخرى، من بينها المواد 189 و190 و191 و192 و193، لحذف العقوبات السالبة للحرية المرتبطة بجرائم النشر، إلى حين إقرار قانون شامل يعالج هذه الإشكالية.
وأشارت إلى أن عدد الصحفيين المحبوسين ارتفع، وفقًا لرصد النقابة الذي عرضته خلال الندوة، من نحو 20 صحفيًا إلى 26 صحفيًا خلال أسبوع، محذرة من اتساع نطاق الملاحقات في ظل استمرار النصوص القانونية التي ترى النقابة أنها تقيد حرية العمل الصحفي.
واستشهدت بواقعة صحفية نشرت بثًا مباشرًا عن مشكلة تتعلق بمياه الصرف الصحي في أحد شوارع محافظة قنا، وقالت إن الشركة المعنية أقامت دعوى جنائية ضدها، متهمة إياها بنشر أخبار كاذبة وإثارة المواطنين.
واعتبرت أن الواقعة تطرح تساؤلات حول قدرة الصحفيين على نقل المشكلات اليومية للمواطنين دون التعرض لملاحقات قضائية بسبب المحتوى المنشور.
ولفتت عوف إلى الأوضاع الصحية والإنسانية لعدد من الصحفيين المحبوسين، مشيرة إلى حالات صفاء الكوربيجي، التي قالت إنها تعاني تدهورًا في حالتها الصحية، وكريم إبراهيم، الذي ذكرت أنه أمضى نحو ست سنوات في الحبس، ومصطفى أحمد الخطيب، المحبوس منذ عام 2019، إلى جانب صحفيين آخرين قالت إنهم يواجهون فترات حبس طويلة وظروفًا صحية أو أسرية صعبة.
وأشارت إلى حالة ياسر أبو العيلة، متحدثة عن القبض على زوجته وشقيقتها، وما ترتب على ذلك من تحمل نجلهما مسؤولية رعاية أشقائه في غياب والديه. واستعرضت كذلك الآثار الأسرية لاستمرار حبس حمدي مختار، قائلة إن نجله الصغير لم يعد يتذكر ملامح والده بسبب غيابه لفترة طويلة.
وأكدت مقررة لجنة الحريات أن دفاع النقابة عن الصحفيين لا ينبغي أن يتوقف عند العضوية النقابية، بل يتطلب معالجة تشريعية تضمن حماية حرية العمل الصحفي. ودعت أعضاء مجلس النواب والمحامين والمتخصصين إلى تبني مشروع القانون والعمل على إقراره، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اتساع دائرة الصحفيين المعرضين للحبس بموجب النصوص القائمة.
محمد سعد عبد الحفيظ: الدستور ينص على إقرار حظر الحبس في قضايا النشر
وقال محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، إن المطالبة بإصدار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر تستند إلى إلزام دستوري قائم منذ إقرار دستور 2014، الذي يحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في هذه الجرائم، باستثناء الحالات التي حددها الدستور.
وأوضح أن ثلاثة برلمانات تعاقبت منذ ذلك الحين، دون أن تتبنى أي كتلة نيابية تحركًا جادًا لتنقيح المنظومة التشريعية بما يتوافق مع هذا الالتزام الدستوري، مشيرًا إلى أن عددًا من القوانين لا يزال يتضمن نصوصًا تتيح الحبس في قضايا النشر والعلانية، من بينها مواد في قانون العقوبات وقانون الجهاز المركزي، إلى جانب نصوص أُضيفت لاحقًا إلى قانون الكيانات الإرهابية وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وأضاف أن المطلوب هو تحويل النص الدستوري إلى ضمانات تشريعية واضحة، تتيح للمحامين الاستناد إلى نصوص قانونية صريحة للمطالبة بإخلاء سبيل الصحفيين المحبوسين على ذمة قضايا النشر، انطلاقًا من أن انتفاء عقوبة الحبس في الجريمة محل الاتهام يقتضي إعادة النظر في مشروعية الحبس الاحتياطي فيها.
وشدد وكيل نقابة الصحفيين على ضرورة تشكيل جماعة ضغط تضم الصحفيين ونواب البرلمان وقطاعات مختلفة من المجتمع، لدفع هذا الملف إلى الأمام، مؤكدًا أن حرية الصحافة ليست حقًا للصحفيين وحدهم، بل حق للمجتمع في معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة، والاطلاع على البدائل المطروحة، وتكوين مواقفه واختياراته على أساس من المعلومات.
وأكد أن استمرار القيود التشريعية على الصحافة ينتقص من حق المجتمع في المعرفة، ويحد من قدرته على تقييم أداء المؤسسات العامة والاختيار بين البدائل المختلفة.
عاطف مغاوري: سأجمع توقيعات النواب على مشروع القانون
قال النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، إنه سيبدأ جمع توقيعات من النواب على مشروع قانون لمنع حبس الصحفيين في قضايا النشر، مؤكدًا عزمه طرح المشروع على زملائه في البرلمان والعمل على تحريك الملف تشريعيًا، بعد سنوات من عدم استكمال الضمانات القانونية اللازمة لتطبيق المادة 71 من الدستور.
وأضاف مغاوري، خلال كلمته في ندوة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، أن النصوص الدستورية تتضمن قواعد عامة تحتاج إلى قوانين تنظم تطبيقها، مشيرًا إلى أن حظر الحبس في جرائم النشر والعلانية يستلزم وجود تشريع يضمن تفعيل هذه الحماية.
وأوضح أنه تبنى، إلى جانب عدد من النواب، مواقف نقابة الصحفيين ومقترحات المحامين خلال مناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية، لا سيما ما يتعلق بعدم حبس الصحفيين احتياطيًا في قضايا النشر.
واعتبر أن الحبس الاحتياطي يستهدف، في الأصل، حماية الأدلة وضمان سير التحقيقات، متسائلًا عن جدواه في الحالات التي تكون فيها الواقعة محل النشر معلنة وثابتة بالفعل.
وأشار مغاوري إلى أهمية تفعيل الضوابط المتعلقة بمدد الحبس الاحتياطي والإفراج عمن لا تتوافر بشأنهم أسباب تستدعي استمرار حبسهم، داعيًا إلى توسيع مساحة تقبل الرأي والرأي الآخر، خصوصًا مع اتساع النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الذي أتاح للمواطنين التعبير عن آرائهم والتعليق على الوقائع والأحداث.
وشدد على أن حماية الصحفيين في قضايا النشر لا تعني إعفاءهم من المساءلة عن الجرائم الأخرى، موضحًا أن وقائع الابتزاز أو السب والإساءة يمكن التعامل معها وفق القوانين المنظمة لهذه الجرائم، دون الخلط بينها وبين العمل الصحفي والنشر.
وضرب مثالًا بواقعة الصحفية في قنا التي تناولت مشكلة تتعلق بمياه الصرف الصحي، متسائلًا عن جدوى الصحافة إذا لم تتمكن من نشر مشكلات المواطنين ورصد أوجه القصور في الخدمات. وأضاف أن دور الصحافة لا يقتصر على إبراز الإنجازات، بل يشمل أيضًا كشف السلبيات والدعوة إلى إصلاحها.
ووصف مغاوري الصحافة بأنها «عين المجتمع»، معتبرًا أن إتاحة مساحة من الحرية للعمل الصحفي تسهم في كشف الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه، وتمكّن المواطنين من الوصول إلى المعلومات والتعرف على ما يجري في مجتمعهم.
وفي ختام كلمته، أعلن عزمه بدء جمع توقيعات النواب على مشروع القانون، مؤكدًا أنه سيعمل على حشد التأييد البرلماني له، بالتعاون مع النواب الذين يدعمون حماية حرية الصحافة، بهدف تحريك الملف التشريعي وتفعيل الضمانات الدستورية المتعلقة بحرية النشر.
ماذا يقول الدستور؟
تنص المادة (71) من الدستور المصري لعام 2014 (المعدل في 2019) على حظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو مصادرتها أو إغلاقها، باستثناء أوقات الحرب أو التعبئة العامة. كما تحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر أو العلانية، عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف، التمييز بين المواطنين، أو الطعن في أعراض الأفراد التي يحدد القانون عقوباتها.
ويتضمن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 فصلًا خاصًا بضمانات التحقيق والمحاكمة في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية. وتنص المادة 29 على عدم جواز توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر أو العلانية، مع استثناء التحريض على العنف والتمييز بين المواطنين والطعن في أعراض الأفراد.
محطات في تاريخ القانون
انتهت اللجنة الوطنية لإعداد تشريعات الصحافة والإعلام في أغسطس 2015 من إعداد مشروع قانون لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر، تضمن أربعة مواد لتعديل أحكام في قانون العقوبات وتشريعات أخرى. واستهدف المشروع استبدال عقوبات الحبس بالغرامات المالية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر والعلانية، مع الإبقاء على استثناءات محددة.
وفي عام 2024، أعدت نقابة الصحفيين مشروع قانون جديد، يهدف إلى إلغاء العقوبات السالبة للحرية في الجرائم المرتكبة بطريق النشر والعلانية، استنادًا إلى المادة 71 من دستور 2014.
وأكد المشروع، استبدال عقوبات الحبس بالغرامة المالية في قضايا النشر والعلانية، تماشيًا مع الاتجاهات القانونية الحديثة في الدول الديمقراطي.
وتضمنت التوصيات النهائية للمؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين الدعوة إلى إصدار قانون لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية، باعتبار ذلك جزءًا من استكمال تنفيذ الضمانات الدستورية لحرية الصحافة. وأشار التقرير إلى اعتماد المؤتمر المشروع وإرفاقه بالتوصيات.
قال النائب عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، إنه يتمنى إغلاق ملف سجناء الرأي في مصر، مؤكدًا أن استمرار وجود سجناء بسبب التعبير عن آرائهم، بعد ثورتين، يضر بصورة البلاد ويؤثر سلبًا في مسار الديمقراطية ومناخ الاستثمار.
وأضاف إمام، في تصريحات سابقة لـ “القصة”، أن استمرار ما وصفه بحالة الثأر داخل المجتمع يستدعي فتح صفحة جديدة مع الشباب، خصوصًا من لم يثبت تورطهم في أعمال عنف أو الدعوة إليه، داعيًا إلى مراجعة الإجراءات الاستثنائية التي اتُخذت في إطار الحرب على الإرهاب.
وأوضح أن إنهاء ملف سجناء الرأي لا يرتبط بالضغط الشعبي وحده، معتبرًا أن التعاطف مع من يُسجن بسبب التعبير عن رأيه أمر متوقع، وأن الحل يتطلب قناعة لدى السلطة بضرورة تغيير النهج المتبع.
وأشار رئيس حزب العدل إلى أهمية استئناف المسار الذي بدأ خلال جلسات الحوار الوطني قبل توقفه، والعمل على مراجعة السياسات المرتبطة بملف سجناء الرأي، وصولًا إلى إغلاقه بشكل كامل.
وشدد إمام على ضرورة فتح صفحة جديدة مع الشباب ومراجعة الإجراءات الاستثنائية، بما يسهم في دعم الديمقراطية وتحسين صورة مصر، مؤكدًا أهمية إنجاز ملف سجناء الرأي بدلًا من استمرار بقائه دون حسم.