استوقفتني أحداث مهمة كثيرة حصلت قبل حرب أكتوبر 1973، وأثناءها، وبعدها. وقبل أن أتطرق للحديث عن يوم السادس من أكتوبر العظيم، ينبغي أن أذكر بالاعتزاز والفخر «حرب الاستنزاف»، التي كانت أحد الأسباب الرئيسة لنصر أكتوبر 1973، شاء من شاء، وأبى من أبى، بعيدًا طبعًا عن هزيمة 1967 وما حدث فيها من أخطاء كارثية.
إن حرب الاستنزاف، كما ذكر المحللون العسكريون من داخل «الكيان» الصهيوني اللعين، كبدت جيش العدو خسائر فادحة في المعدات والأرواح، وجعلتهم لا يشعرون بالأمان طوال الفترة التي كانوا فيها شرق القناة بقواتهم المدججة بالأسلحة الرهيبة. الجيش المصري، بقيادة الفريق محمد فوزي، قام بعمليات فدائية مستمرة، قادها بشجاعة وجسارة العقيد إبراهيم الرفاعي ورفاقه.
بالإضافة إلى عمليات جوية انتحارية كانت تتم داخل العمق الإسرائيلي، تحت قيادة اللواء مدكور أبو العز، قائد سلاح الجو في تلك الفترة، لدرجة أن العدو اشتكى مصر في مجلس الأمن والأمم المتحدة، بسبب ما يقوم به أبو العز ونسور الجو الأبطال، وما يحدثونه من خسائر رهيبة في صفوف قوات العدو شرق القناة، وفي كل شبر من أرض سيناء، بالإضافة إلى إنشاء حائط الصواريخ الرهيب، الذي أقامته قوات الدفاع الجوي بقيادة اللواء محمد علي فهمي، والذي كان حائط صد منيعًا أمام طيران العدو قبل وأثناء حرب أكتوبر.
ناهيك عن ضرب ضفادعنا البحرية لميناء إيلات الحربي وتدميره بالكامل، بما فيه من جنود ومعدات عسكرية، وتدمير وإغراق الحفار القادم من السنغال، وكذلك تدمير ناقلة الجنود إيلات وإغراقها في قاع البحر. كل هذا تم في حرب الاستنزاف الخالدة وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، رحمة الله عليه.
إذن، مصر بعد هزيمة يونيو المفاجئة، لم تضعف ولم تلِن، لدرجة أنه تم عرض مقترح على الرئيس عبد الناصر، بمقتضاه تنسحب إسرائيل حتى خطوط المضايق، ولكن الرئيس عبد الناصر رفض هذا الاقتراح، وقال عبارته الشهيرة: «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة».
مات ناصر في أواخر 1970 وخلفه السادات، الذي واصل الاستعداد للحرب الشاملة بهدف تحرير الأرض، واعتمد في خطته منذ البداية على السرية والخداع، والتي كانت عاملًا مهمًا في تحقيق النصر. وحدث العبور العظيم للضفة الشرقية للقناة، وبأعداد هائلة من المقاتلين بلغت أكثر من 200 ألف جندي، وتم تدمير خط بارليف الحصين.
والحقيقة أن هذا الخط لم يكن خطًا واحدًا، وإنما كان عبارة عن 3 خطوط، أنشأها الجنرال حاييم بارليف، لمنع أي قوات مصرية تحاول عبور القناة، لتجد أمامها دشَمًا محصنة بالألغام والأشواك والأسلحة، لكن بسالة وشجاعة الجندي المصري، التي أبهرت العالم، استطاعت دك هذه الحصون وتدميرها بالكامل، وقتل من فيها في 6 ساعات.
ومن أسباب النصر في هذه الحرب أيضًا التخطيط العلمي، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والأهم روح الإرادة التي تحلى بها الجندي المصري، بالإضافة إلى أن المعركة اندلعت شرارتها في شهر رمضان المعظم، لذلك سميت بعملية «بدر»، تيمّنًا بغزوة بدر التي خاضها المسلمون بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتصروا فيها على المشركين.
أثناء حرب أكتوبر حصلت أحداث مهمة، لا أريد أن أتكلم عنها بالتفصيل، مثل ثغرة «الدفرسوار» التي تسلل العدو من خلالها إلى السويس، وتمكن من حصار الجيش الثالث.
أيضًا إصرار السادات على تطوير الهجوم بعد يوم 14 أكتوبر، رغم رفض الفريق الشاذلي، رئيس الأركان، لهذه الفكرة، لأن قواتنا ستبقى مكشوفة، وبدون غطاء جوي يحميها، مما يسهل على العدو ضربها بطائراته. وأمام إصرار السادات على تطوير الهجوم، لتخفيف الضغط على السوريين، استجاب الفريق الشاذلي.
وحدثت الخسائر التي توقعها الشاذلي، مهندس حرب أكتوبر، رحمة الله عليه. وفي تصفية الثغرة، حدث خلاف آخر بين السادات والشاذلي في كيفية تصفية الثغرة، تسبب بعد ذلك في الإطاحة بالفريق الشاذلي أثناء الحرب، وحل مكانه الفريق الجمسي.
وللحديث بقية.