أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

المعيلات.. ودفتر ديون في قلب الفريزر

“مش عايزة حاجة زيادة، بس عايزة أعيش الشهر من غير ما أحس إني عاجزة”، بهذه الكلمات تتحدث إيمان قبل أن تعود لترتيب ما استطاعت جمعه من فاكهة، محاولة أن تصنع من البواقي ما يشبه طعم الأيام القديمة.

بهذه الجملة تصف إيمان رجب سيدة أربعينية، تقيم في منطقة فيصل تحول حياتها خلال عامين فقط.

 كانت قبل ذلك تستعد للشهر الكريم بطقوس ثابتة؛ تشتري كميات من الدواجن، تختار بعناية أحجامها، تفرزها في أكياس شفافة، وتملأ الفريزر بأصناف مختلفة تكفي أسرتها طوال الشهر، كانت تقارن بين العروض، وتفاضل بين الجودة والسعر، وتعتبر التفريز “ضمان الأمان”قبل زحام رمضان وارتفاع الأسعار.

أخبار ذات صلة

images - 2026-02-19T195245
نائب الرئيس الأمريكي: هدف مجلس السلام الحفاظ على أرواح الناس
IMG_9301
عودة الإعلام والاستثمار.. ووزارة شؤون الكيف
Oplus_132099
الإقطاعيون الجُدد

اليوم تغير المشهد بالكامل، تقول إنها لم تعد تقف أمام ثلاجات الدواجن في السوبر ماركت، بل أمام فرشات الفاكهة في الشارع، تنتظر اللحظة التي يبدأ فيها البائع في جمع الثمار المتبقية مع نهاية اليوم، تختار منها ما يمكن إنقاذه، تقطع الأجزاء التالفة، وتحول الباقي إلى أكياس عصير مجمد “علشان العيال يحسوا إن رمضان لسه فيه حاجة حلوة”.

ارتفاع أسعار الدواجن كان الضربة الأقسى، بحسب وصفها، “الفراخ بقت رفاهية”، تقولها بمرارة، مشيرة إلى أن الكيلو الذي كانت تشتريه دون تردد أصبح يتجاوز قدرتها الشرائية، لم تعد المقارنة بين ماركة وأخرى، بل بين الشراء من الأساس أو الاستغناء، ومع موجات الغلاء المتلاحقة، تقلصت قائمة المشتريات تدريجيًا، من لحوم ودواجن متنوعة، إلى وجبات محدودة، وصولًا إلى الاعتماد على ما هو أقل تكلفة وأقرب للتلف.

في منزلها الصغير، لم يتغير عدد الأفراد ولا احتياجاتهم، لكن تغيّر الإحساس بالأمان، التفريز الذي كان فعل استعداد واطمئنان، صار عبئا لا تقدر عليه، “زمان كنت بفرز علشان أريح دماغي طول الشهر، دلوقتي بفرز علشان أعدي اليوم”، تقولها وهي تشير إلى الفريزر الذي لم يعد ممتلئا كما كان.

تحكي أن أبناءها اعتادوا رؤية أكياس الفراخ واللحوم قبل رمضان، وكان ذلك بالنسبة لهم إعلانا غير رسمي بأن الشهر اقترب، هذا العام، لم يكن في الفريزر سوى أكياس عصير مصنوعة من خضار وفاكهة “البواقي”، تحاول أن تحافظ على الطقوس قدر الإمكان، ولو بصورة رمزية، حتى لا يشعر الأطفال بحجم التراجع.

قصة هذه السيدة ليست حالة فردية، بل تعكس نمطًا متكررًا في أحياء شعبية عدة، حيث تحول الاستعداد لرمضان من موسم للشراء المكثف إلى موسم للحسابات الدقيقة، بين ارتفاع أسعار الغذاء وتآكل القدرة الشرائية، باتت الأسر تعيد ترتيب أولوياتها، أحيانًا على حساب عادات اجتماعية راسخة.

الأمان الذي ذاب في الفريزر

في شقة ضيقة بحي شبرا الخيمة، لم تعد نجوى سالم، 37 عامًا، تتعامل مع التفريز باعتباره استعدادًا مبكرًا لشهر رمضان، بل كخطة بقاء قصيرة الأجل، العاملة بإحدى المستشفيات الخاصة تقول إن راتبها لم يتغير، بينما تغيرت كل الأسعار من حولها، ما أجبرها على تقليص مفهوم “التخزين” إلى حدوده الدنيا.

قبل أعوام قليلة، كانت تشتري كميات محدودة من اللحوم والدواجن وتقسمها بعناية داخل أكياس صغيرة، تكتب على كل منها التاريخ، وتوزعها على أيام الشهر، اليوم، لا تشتري سوى فرخة واحدة تقسمها إلى ثماني قطع صغيرة، تطهو كل قطعة مع إضافات رخيصة “علشان تكفي وتبان أكتر”.

وسيلة لتنظيم المصروف

توضح أن التفريز لم يعد وسيلة لتنظيم المصروف، بل محاولة نفسية لإقناع نفسها بوجود طعام في اليوم التالي، “بقيت أفرز علشان أعدي بكرة”، تقولها باقتضاب.

لكن حتى هذا الحد الأدنى من الأمان لم يكفي، انقطاع الكهرباء لساعات طويلة أدى إلى تلف ما تبقى في الفريزر، تصف اللحظة بأنها لم تكن مجرد خسارة لطعام، بل فقدان لأسبوع كامل من الحسابات الدقيقة. منذ ذلك الحين، تخلّت عن فكرة التخزين قدر الإمكان، واتجهت إلى الشراء اليومي، معتبرة أن خسارة القليل فورًا أهون من خسارة كل ما ادخرته دفعة واحدة.

التفريز بات مخاطرة

حالة نجوى تكشف زاوية أخرى للأزمة، فالتفريز الذي كان فعل احتياط واطمئنان، بات مخاطرة قد لا تتحملها الأسر محدودة الدخل في ظل انقطاعات مفاجئة وارتفاع كلفة التعويض.

على بعد مئات الكيلو مترات، في مدينة نحن حمادي شمالي محافظة قنا، تبدو صورة الفريزر مختلفة داخل منزل فريدة، 55 عامًا، أرملة تعول ثلاثة أبناء، الفريزر هنا ليس فارغا، لكنه ممتلئ بدين مؤجل.

قبل رمضان بأيام، تتوجه فريدة إلى تاجر الدواجن في منطقتها، تحصل على كميات أقل من المعتاد، وتطلب تسجيلها في دفتر الحسابات، تعود إلى منزلها لتقوم بطقوس التفريز ذاتها التي اعتادت عليها لسنوات، تقسيم منظم، أكياس مرتبة، وتواريخ مكتوبة بعناية، المشهد يوحي باستقرار نسبي، بينما الحقيقة أن كل كيس يحمل رقما في دفتر ديون.

تقول إن ملىء الفريزر يمنح أبناءها احساسا طبيعيا باقتراب الشهر، لكنها تدرك أن ثمن هذا الشعور يرحل إلى ما بعد العيد، تبدأ بعدها رحلة سداد مرهقة، جزء من المعاش، استعانة بأقارب، وتأجيل بعض الفواتير الأساسية،” الفرخة الواحدة المتوسطة ب 230 جنيه، تمشي الشهر الكريم كله ازاي مبقتش بعرف حاجة عن اللحمة لكن كمان القرار مرحمتناش في الأسعار”.

الأثر لم يتوقف عند حدود الأرقام، ابنها الأكبر عرض العمل خلال الإجازة للمساهمة في سداد ما تم شراؤه لرمضان، بالنسبة لها، لم يعد التفريز وسيلة لحماية الأسرة من تقلبات الأسعار، بل عبئا أخلاقيا تشعر أنه ينتقل تدريجيا إلى الأبناء.

تكشف حالة فريدة بعدا آخر لتحول عادات الاستعداد للشهر، فبعض الأسر لا تتخلى عن التفريز، لكنها تمارسه بالدين، ما يعني نقل الضغوط المالية من لحظة الشراء إلى ما بعدها، ومن جيل إلى آخر.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG-20260219-WA0009
رمضان بلا سفرة.. فقط طريق طويل ومقود
20250730121306136
"مدبولي" من واشنطن: مصر تدعم رؤية الرئيس ترامب للسلام وتثمن جهوده في حماية الحقوق الفلسطينية
IMG_2641
عين سحرية.. عصام عمر في رحلة "الكاميرات والاحتياج"
1599963
الحلقة الأولى من مسلسل أصحاب الأرض

أقرأ أيضًا

الحلقة الأولى من مسلسل "كان ياما كان".. حول اختفاء الاهتمام داخل مؤسسة الزوجية
Oplus_131072
عبلة كامل وعودة محسوبة.. كيف أقنعتها فودافون بكسر الغياب؟
Oplus_131072
المعيلات.. ودفتر ديون في قلب الفريزر
ألعاب نارية
الألعاب النارية تهدد سلامة المواطنين مع دخول رمضان وانتشار الغاز الطبيعي