قبل أذان المغرب بدقائق، كان الطريق الصحراوي الشرقي يبتلع آخر خيوط الشمس، على بعد كيلومترات من بوابة حلوان، كان ياسر كحول، 46 عاما، يثبت يده على مقود أتوبيس متجه من قنا إلى القاهرة.
في جيبه ثلاث تمرات ملفوفة في منديل ورقي، وزجاجة ماء دافئة وضعتها زوجته في حقيبته قبل السفر، لا مائدة، لا تجمع عائلي، فقط طريق ممتد، وركاب يراقبون الساعة.
“أصعب لحظة؟” يردد السؤال ويبتسم نصف ابتسامة، “لما الأذان يأذن وأنا ماسك الدركسيون أبص يمين وشمال وأقول يا رب أعدي اللحظة دي على خير، نفسي أحس بطعم رمضان”.
12 ساعة خلف المقود
رحلة قنا – القاهرة تمتد إلى 9 ساعات في الظروف الطبيعية، لكنها في رمضان كثيرًا ما تتجاوز ذلك، زحام قبل الإفطار، نقاط تفتيش، أعطال مفاجئة، أو ركاب يطلبون التوقف الطارئ.
ياسر يقول إنه يبدأ يومه بعد الظهر، ويصل إلى القاهرة قبيل المغرب بدقائق، “لو لحقت أفطر في الموقف يبقى خير وبركة، لو لا بفطر وأنا سايق”.
لا توجد استراحة مضمونة وقت الأذان، أحيانًا يتطوع أحد الركاب ويناوله تمرة أو زجاجة مياه، وأحيانًا يكتفي برشفة سريعة عند إشارة حمراء.
“مرة راكب زعق لي عشان وقفت بعد الأذان، قالي الناس مستعجلة، قلت له: وإحنا مش بني آدمين برضه؟”
سائق لا يصوم خوفًا من الإغماء
على المقعد الخلفي من الأتوبيس نفسه، كان يجلس محمود صابر، 38 عامًا، ينتظر دوره في القيادة عند الوصول، محمود مصاب بالسكر منذ خمس سنوات، العام الماضي، حاول الصيام في أثناء إحدى الرحلات الطويلة.
“حسيت الدنيا بتسود قدامي على طريق الكريمات. لو مكنتش مسكت نفسي كان ممكن أوقع الأتوبيس”.
منذ ذلك اليوم، قرر الإفطار في السفر، لكنه يقول إن القرار لم يكن سهلًا، “في ركاب بتبصلك باستغراب، كأنك مقصر، محدش شايف إحنا بنسوق كام ساعة وتحت ضغط إيه”.
الإفطار على الرصيف
في موقف الأتوبيسات جنوب القاهرة، يجتمع بعض السائقين دقائق قبل الانطلاق في رحلة العودة، لا موائد جماعية، فقط أرصفة إسفلتية، وأكياس طعام بلاستيكية.
حسن عبدالعظيم، 52 عامًا، يعمل على الخط نفسه منذ أكثر من عشرين عامًا، يقول إن رمضان زمان كان “أهدى وأرحم”، “كنا بنلحق نفطر بهدوء، ::، وبعدين أطلع أسوق تاني 8 ساعات راجع قنا”، يسكت قليلًا، ثم يضيف:”مراتي بتبعتلي صورة العيال على السفرة، أبص للصورة وأقول الحمد لله عايز ايه تاني”.
مواقف لا تنسى
يحكي ياسر عن رحلة العام الماضي، حين تعطلت الحافلة قبل المغرب بساعة في منطقة صحراوية، الحرارة مرتفعة، والركاب متوترون، “واحدة ست كبيرة كانت صايمة، وقعت من التعب، فضلنا نحاول نسعفها لحد ما جت عربية إسعاف”.
يقول إن أكثر ما يخيفه في رمضان ليس الجوع، بل الإرهاق، “السواقة عايزة تركيز، وأنت صايم 15 ساعة، ونايم 4 بس، ده خطر علينا وعلى الركاب”.
ورغم القسوة، تظهر لحظات تضامن مفاجئة، يقول حسن إن شبابًا في إحدى المرات أوقفوا الأتوبيس على مدخل حلوان قبل الأذان، ووزعوا تمرًا ومياه على السائقين، “حسيت ساعتها إن حد شايفنا”.
وفي رحلة أخرى، أصر ركاب على الانتظار خمس دقائق بعد الأذان حتى ينهي السائق إفطاره بهدوء، “الدنيا لسه فيها خير”، يعلق محمود.
حسابات بسيطة.. وأعباء أكبر
يعمل بعض السائقين ما بين 13 و16 ساعة يوميًا خلال رمضان، خاصة مع زيادة حركة السفر بين المحافظات، الأجر، بحسب السائقين الذين تحدثوا، لا يتغير كثيرًا عن باقي شهور العام، بينما تزداد المصروفات مع متطلبات الشهر.
“إحنا مش بنطلب حاجة كبيرة”، يقول ياسر، “بس استراحة وقت المغرب، وتنظيم ورديات يراعي إن السواق بني آدم، ونفسي الشيفتات تتغير وأرجع افكر مع والدي”.
بعد الأذان.. الطريق لا ينتظر
مع انتهاء الاستراحة القصيرة في موقف القاهرة، يعود السائقون إلى مقاعدهم، أصوات المحركات تعلو، والركاب يتوافدون، يرتشف ياسر ما تبقى من زجاجة الماء، يمسح وجهه بمنديل، ويقول قبل أن يدير المحرك:”رمضان بيعدي علينا وإحنا على الطريق، بس أهم حاجة نرجع بسلام”.
يضغط على البنزين، وينطلق الأتوبيس مرة أخرى في ظلام الطريق الصحراوي، بين قنا والقاهرة، لا تتوقف الرحلات، ولا يتوقف الصائمون خلف المقود.