في اللحظة التي استنشق فيها العالم عبير التعافي من كوابيس الجوائح، عادت أحراش الكونغو الديمقراطية لتنبت وحشًا جديدًا يهدد القارة السمراء من بوابة إقليم إيتوري، لكوننا أمام تفشٍ مرعب لسلالة بونديبوجيو النادرة التي تفتقر للعلاج واللقاح وتضع الضمير الإنساني أمام اختبار أخلاقي شديد القسوة، إذْ لا تتعلق الخطورة هنا بمجرد الأرقام الصادمة للوفيات التي ناهزت 18 ألف ضحية تاريخيًّا بمعدلات فتك تصل إلى 60%، بل في غياب الترسانة الدفاعية العالمية لمواجهة هذا القاتل الصامت الذي قد لا يكتفي هذه المرة بحدود الجغرافيا الأفريقية المنكوبة.
سيادة البيض.. عنصريّة الربحية في أبحاث الدواء تترك أفريقيا لمواجهة الموت ببطء
يطرح الدكتور إسلام عنان الرئيس التنفيذي لمركز أكس آيت لأبحاث الدواء ومحاضر اقتصاديات الدواء وانتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية تساؤلًا أخلاقيًّا حول غياب العدالة في البحث العلمي العالمي لكونه يرى أنَّ العالم لا يزال أسيرًا لسيادة العرق الأبيض حتى في مواجهة الفيروسات القاتلة مؤكدًا في تصريحات خاصة لـ “القصة” أنَّ الشركات الكبرى تفتقر للدافع المادي لتطوير لقاحات لأمراض تقتل الأفارقة ببطء ما لم تهدد مصالح الدول الكبرى حيث قال: “العالم يتحرك بقوة فقط عندما يشعر أن الخطر قد يصل للمواطن الأبيض في أوروبا أو أمريكا، أما ما يحدث في إفريقيا فيبقى طي النسيان، حتى يصبح التهديد عالميًّا.. ووقتها قد يكون الأوان قد فات.
المثلث المفقود.. لماذا تعد سلالة بونديبوجيو تهديدًا وجوديًّا خارج سيطرة اللقاحات؟
يوضح الخبير الدولي أنَّ إعلان حالة الطوارئ العالمية نابع من غياب ما يسمى المثلث الذهبي للمواجهة وهو اللقاح والعلاج والرعاية السريعة لكون السلالة الحالية بونديبوجيو لا تتأثر باللقاحات المتاحة لسلالة زائير الشهيرة ومن ثَمَّ تقف التكنولوجيا الحالية عاجزة تماماً أمام هذا التفشي لاسيما في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية في المناطق الحدودية الموبوءة مما يحول الإصابة إلى حكم فوري بالإعدام لعدم وجود أدوية نوعية قادرة على كبح جماح الفيروس قبل تسببه في فشل كامل لأعضاء الجسم خلال أسبوعين فقط لكون الرعاية تقتصر حالياً على محاولة علاج الأعراض الجانبية.
جغرافيا الألم.. صرخة في وجه عنصرية العلم قبل وصول الفيروس لأبواب الشمال
يختتم إسلام عنان حديثه على أنَّ إيبولا في نسخته الجديدة يمثل اختباراً أخلاقياً للمجتمع الدولي لكون أبحاث الدواء لا تزال تخضع لاعتبارات سياسية وجغرافية بعيدة كل البعد عن الخطورة الفعلية للمرض مشيراً إلى ضرورة التحرك الاستباقي قبل وصول العدوى إلى العواصم الكبرى في أوروبا وأمريكا نتيجة لكون دروس الجوائح السابقة أثبتت أنَّ إهمال البؤر المشتعلة في أفريقيا هو مقامرة بالأمن الصحي العالمي ليبقى الرهان الحقيقي في هذه الأزمة على صحوة الضمير الإنساني قبل أن يخرج الفيروس عن السيطرة ويطرق أبواب الشمال لكون أرواح الأفارقة لا يجب أن تظل خارج ميزانيات الشركات الكبرى.