تحت وطأة حرب لا توفر أحداً، يعيش المدنيون في السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث وفي شهادة خاصة ومنفردة لـ “القصة”، رسم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني، وائل محجوب، لوحة قاتمة للوضع الميداني، مؤكداً أن تفاصيل المعاناة تلاحق السودانيين في كل شبر، دون تفرقة بين مناطق سيطرة القوات المسلحة أو تلك الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
السودان في قبضة “المحو الصامت”
يصف محجوب الوضع الإنساني بأنه “في غاية السوء وكارثي بامتياز”، لافتاً إلى أن الدولة تشهد حالة من “العدم التام” للمواد الأساسية، مترافقة مع غلاء فاحش ونقص حاد في الأغذية ما أدى إلى نشوء شرائح واسعة من المواطنين الذين يعانون تدهوراً معيشياً مخيفاً.
ولم تكن الأزمة الغذائية وحدها ما ينهش جسد السودان، إذ يشير محجوب إلى تدهور موازٍ في القطاع الصحي جراء تعطّل عدد هائل من المرافق والمستشفيات، ونقص الأدوية والارتفاع الجنوني في أسعارها، وهو ما يجعل البقاء على قيد الحياة للمرضى والمصابين ضرباً من المعجزة.
وفي حديثه عن ملف النزوح والخدمات، يوضح وائل محجوب لـ “القصة” أن ملايين السودانيين الذين هجروا منازلهم ما زالوا مشتتين كنازحين في مختلف أنحاء البلاد، نظراً للغياب الكامل والدراماتيكي للخدمات الأساسية في مناطقهم الأصلية، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، “الخرطوم، التي كانت أكبر مركز للتجمع السكاني في البلاد، تعيش اليوم أزمة خدمات معقدة التيار الكهربائي غائب عن أجزاء واسعة منها، والمدن التي يتوفر فيها الإمداد تشهد تذبذباً خانقاً حيث لا تعمل الكهرباء سوى لساعات بسيطة خلال اليوم، فضلاً عن الانعدام شبه الكامل للمياه الصالحة للشرب”.
ويضيف المحلل السياسي أن الأمور تزداد تعقيداً ودموية في مناطق العمليات العسكرية المباشرة، مسلطاً الضوء على الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة “الأُبيض” والمناطق المجاورة لها، ما دفع بأعداد ضخمة من المدنيين إلى النزوح الجماعي فراراً من الانتهاكات والممارسات الوحشية المتوقعة.
وفي ختام حديثه لـ “القصة”، يضع الكاتب الصحفي وائل محجوب يده على الجرح السياسي والإنساني، حاسماً الجدل حول مخرج الطوارئ للأزمة حيث يؤكد أنه لا يوجد أي مستقبل لاستقرار الأوضاع الإنسانية في السودان بغير الوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار، وفتح الممرات الآمنة أمام العمل الإنساني لإيصال المساعدات العاجلة للمحتاجين.
ويرى محجوب أن “الخطوة الأولى والأساسية المتعثرة الآن هي الوصول لهذا الاتفاق، سواء كان في شكل هدن مؤقتة أو وقف دائم للنار لترتيب وصول الإغاثة”، محذراً من أن استمرار الاشتباكات اليومية يبتلع ما تبقى من فرص لإنقاذ ملايين السودانيين المحاصرين في جحيم الجوع والعمليات العسكرية.