إذا كان البعض لديه مصالح شخصية هنا أو هناك، فيرى في دولة أو قائدها ما لا يراه غيره، فلا يصح أن يعمم الأمور، أو يتحدث على الملأ بفرضيات تخصه وحده. بل يتعين عليه التزام الصمت. وعدم الزج بـاسم “مصر” في حديثه، يتسول به، ويعلي من قيمة الآخر على حسابها. ربما أخطأ نجيب ساويرس في تصريحاته عن “الأب الروحي” لمصر، وربما كان يقصدها بالفعل، لكن الواقع شيء آخر غير التصريحات بكل تأكيد.
فإذا نظرنا إلى مصر في أضعف صورها سنجدها صاحبة يد عليا على الآخرين. ليس هذا بالكلام المرسل، ولكن بالأدلة التاريخية المثبتة. فرغم الحروب والأزمات والظروف الاقتصادية العصيبة، تظل مصر بقوتها البشرية أكبر وربما أهم من أي دولة أخرى.
تأسست الدولة المصرية كأول دولة مركزية موحدة في التاريخ، حوالي عام 3150 قبل الميلاد. وقامت الدولة المصرية الحديثة عام 1805. أما “المملكة العربية السعودية” تم الإعلان عنها في سبتمبر 1932. وقطر أصبحت دولة كاملة السيادة في 1971. والدولة العراقية الحديثة تأسست في “مؤتمر القاهرة” عام 1921. أما سلطنة عُمان الحديثة فترجع لعام 1970. في حين تأسست الإمارات في ديسمبر 1971. والكويت الحديثة لا يتجاوز عمرها 65 عاما.
وفقا للمؤرخين، أرسلت مصر مهندسيها لتخطيط مدن دول الخليج، وتأسيس البنية التحتية، وتصميم وإنشاء الطرق والكباري والبنايات بأغلب تلك الدول. كما استعانت دول الخليج بفقهاء القانون والتشريع المصريين لبناء النظم التشريعية والدستورية، وإرساء قواعد القانون لديهم. ما يعني أن تلك الدول قامت على أكتاف مصر.
المدرسون المصريون أيضا لعبوا دورا هاما في حياة ومستقبل تلك الدول. فاستقدام المعلمين المصريين كان ولا يزال مطلب دائم لدول الخليج. لجودة المعلم المصري وقدرته على وضع أنظمة تعليمية أفضل من نظيرتها هناك. فوضعت مصر الأسس العلمية والتعليمية وأرست قواعد الإدارة. كذلك الأطباء المصريون الذين حملوا على عاتقهم وضع أسس الرعاية الطبية، وتعليم أطباء الخليج كيفية التعامل مع المرض والمرضى والبروتوكولات الطبية. فكانت مصر صاحبة الفضل على دول الخليج علما وعملا.
البعض يضع مصر – زورا وبهتانا – في مرتبة دُنيا عما تستحقه، ويدعي أن المصريين يتسولون في دول الخليج. لكن إذا أعملنا العقل سنعلم دون بذل أي مجهود أن كل مصري يسافر للعمل في دول الخليج يبذل جهد ويتلقى راتبا في المقابل. والأيدي العاملة المصرية أكثر كفاءة من غيرها، بالدرجة التي تدفع بعض الدول للإعلان عن طلبهم للعمالة المصرية على وجه التحديد. ما يؤكد أن عمل المصريين بالخليج ليس منة من أحد، ولكن له أسبابه.