ستار الدخان مصطلح عسكري عُرف خلال الحرب العالمية الأولى، لوصف سحب الدخان التي كانت تستخدمها الجيوش لإخفاء تحركاتها الحقيقية. وبالتدريج، تطور المصطلح إلى قنابل الدخان في الاستخدام الصحفي والسياسي، للدلالة على الأساليب المتعمدة لإخفاء الحقيقة أو التضليل وصرف انتباه الشعب والرأي العام من خلال صناعة قضايا جانبية للتغطية على قضايا أخرى.
ومناسبة الحديث هنا ترتبط بمخرجات اجتماع مجلس الأمن بشأن تمديد ولاية البعثة الأممية في ليبيا، وما صاحبها من تأويلات من لجان محسوبة على صدام حفتر، في محاولة لتوظيف الموقف الدولي في اتجاهات تتجاوز مضمونه الحقيقي والمعلن، وإن كان قد ترك ثغرة للتدخل الأمريكي، وهي جملة «تشكيل سلطة موحدة»، التي دفعت روسيا واليونان إلى الامتناع عن التصويت، مع دعم وجود البعثة الأممية ومسار التسوية المفضي إلى الانتخابات.
وللتوضيح، فإن الموقف الدولي الذي انتهى إليه مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2026، جاءت خطوطه الرئيسية في تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى 31 أكتوبر 2027، ودعم جهود المبعوثة الأممية في الوساطة، مرحبًا بخارطة الطريق التي تستهدف الوصول إلى حل سياسي دائم للأزمة الليبية.
كما رحب المجلس بالاتفاق الذي توصلت إليه الأطراف الليبية في إطار الاجتماع المصغر للجنة 4+4، باعتباره أساسًا يمكن البناء عليه للوصول إلى الانتخابات، حيث يتضمن الاتفاق العمل على توحيد مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية، وإنشاء سلطة تنفيذية واحدة، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال 24 شهرًا، مع التشديد على ضرورة حصول ذلك على دعم وقبول مختلف الأطراف الليبية.
وأكد ضرورة حماية استقلال السلطة القضائية، وإطلاق حوار وطني للمصالحة يستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية، كما طلب من البعثة الأممية توسيع وجودها في بنغازي وسبها وسرت، وتعزيز نشاطها في شرق البلاد وجنوبها.
وفي الجانب الاقتصادي، طالب المجلس بالاحتفاظ بقسم متخصص في الشؤون الاقتصادية لمتابعة ملفات تهريب الوقود وتسريب الموارد العامة والاستغلال غير المشروع لموارد الدولة. كذلك طالب بوقف جميع أشكال الدعم للمرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، والعمل على سحبهم من ليبيا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن شرق ليبيا يشهد وجود قوات روسية ومجموعات من المرتزقة من السودان وتشاد، حسب تقارير دولية، فيما توجد في غرب البلاد قوات تركية وأمريكية وبريطانية، فضلًا عن المرتزقة الأجانب والميليشيات المحلية، وهي جميعها ملفات تناولتها تقارير دولية وأثبتت جوانب من وجودها ونشاطها.
كذلك أكد القرار انطباق عقوبات مجلس الأمن على الجهات والأفراد المتورطين في عرقلة العملية السياسية أو الاستغلال غير المشروع للنفط الليبي. وفي هذا السياق أيضًا، تجدر الإشارة إلى تقارير دولية أخرى تتهم صدام حفتر وسلطات الشرق بالوقوف وراء حوادث بيع النفط الليبي وتهريبه خارج المؤسسات الرسمية.
وفي النهاية، جاء موقف مجلس الأمن مصحوبًا بالتلويح بفرض عقوبات على الكيانات والأفراد الذين يعرقلون التوصل إلى الحل.
حظي القرار الأممي بتأييد 13 عضوًا، مقابل امتناع روسيا واليونان عن التصويت، وجاءت مداخلات غالبية ممثلي الدول الأعضاء في إطار دعم الحل السلمي والدائم، والتأكيد على ضرورة استكمال المسار السياسي.
والجدير بالذكر هنا أن الكلمة الأمريكية أمام مجلس الأمن انحصرت بصورة لافتة في إبراز جهود مسعد بولس، مستشار الرئيس دونالد ترامب، والترويج للاختيارات التي طرحها بشأن صدام حفتر عن شرق ليبيا وعبد السلام الزوبي عن غربها، مستشهدًا بمشاركتهما في مناورات فلينتلوك 2026، التي رعتها القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) بمدينة سرت في منتصف أبريل الماضي.
أما الملفت، فهو أنه بانتهاء جلسة مجلس الأمن، انطلقت قنابل الدخان من لجان محسوبة على صدام حفتر، وصفحة على فيسبوك تحمل اسمه وتنسب إليه، لتصدير دلالات للموقف الدولي إلى الداخل الليبي باعتباره موافقة صريحة على الصفقة الأمريكية التي تختزل حل الأزمة الليبية في تنصيب صدام حفتر ممثلًا عن شرق ليبيا، وعبد الحميد الدبيبة ممثلًا عن غربها، لتشكيل سلطة انتقالية جديدة تجمعهما للوصول إلى الانتخابات، وأن اختيار صدام حفتر بات جزءًا من تسوية تحظى بغطاء أممي، وأن على الليبيين والمؤسسات الليبية الرافضة له القبول بالأمر الواقع حتى لا يتعرضوا للعقوبات الدولية المشار إليها في قرار مجلس الأمن.
وهو تفسير يتعارض مع مضمون القرار الأممي، ويخلط عمدًا بين مسارين مختلفين: أولهما المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، والقائم على ضرورة التوافق والإجماع الليبي وتوحيد المؤسسات وصولًا إلى الانتخابات، وثانيهما التحركات الأمريكية التي تسعى إلى تمرير ترتيبات سياسية وأمنية من خلال تفاهمات مع أطراف ليبية بعينها.
والخطير أن هذا الخطاب جاء متوازيًا مع تأجيج مشاعر الليبيين البسطاء ضد مصر والجزائر، من خلال تصويرهما كدولتين تطمعان في ثروات ليبيا وتسعيان إلى فرض مصالحهما على حساب السيادة الليبية، كمدخل لاكتساب مشروعية يفتقدها هذا الخطاب، في ظل عدم وجود مشروع وطني ليبي حقيقي يحظى بإجماع الليبيين.
وذلك في تناقض مقصود مع حقيقة أن الموقفين المصري والجزائري المعروفين يقومان على ضرورة التوصل إلى توافق ليبي، واحترام إرادة الليبيين في اختيار سلطتهم عبر انتخابات حرة تأتي بمن يختاره الشعب، أيا كانت توجهاته أو انتماءاته، بدلًا من فرض اختيارات سياسية من خلال صفقات خاصة بين أطراف مثيرة للجدل، تقابلها حالة من الرفض لدى حشود وكيانات ليبية، بما يطيل أمد الأزمة، وبالتالي يؤثر على استقرار ليبيا، الذي يشكل ضرورة استراتيجية لأمن الدولتين، في ظل الامتداد الجغرافي والحدود المشتركة والتداخل الاقتصادي والاجتماعي، وما يترتب على استمرار الانقسام من تهديدات أمنية وتوسع لشبكات التهريب والجريمة المنظمة وتدفقات السلاح والمقاتلين.
وامتد أثر هذا الخطاب التعبوي إلى ملف العمالة المصرية، مع خروج مجموعات شعبية بغطاء من سلطات شرق ليبيا لاستهداف وجود المصريين فيها، في مشهد يعيد إلى الأذهان استخدام ورقة العمالة البسيطة كوسيلة ضغط سياسي على القاهرة، ومحاولة معاقبة مواطنيها على موقف حكومتهم، رغم ما تمثله هذه العمالة من أحد أوجه العلاقات التاريخية والاقتصادية بين البلدين. وهو سلوك يتنافى كليًا مع أخلاقيات الشعب الليبي وطبيعة العلاقات بين الشعبين، ولا يمكن تبريره تحت أي عنوان سياسي، لكن مع استمرار الشحن جرى التلويح بإجراءات تستهدف أرزاق البسطاء.
وفي الوقت نفسه، مثل هذا الخطاب فرصة أخرى لتحركات مسلحة من شرق ليبيا باتجاه الجنوب، بالقرب من الحدود مع النيجر، بما يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز التبريرات المعلنة بشأن حماية المصالح الليبية، وتُطرح تحت عناوين حماية السيادة والأمن القومي.
فالجنوب الليبي يمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها طرق التهريب وممرات الحركات والتنظيمات المسلحة والعصابات الدولية، وتمتد أهميته إلى دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر والنيجر وتشاد. وتطرح هذه التحركات علامات استفهام كبرى في ظل ما يثار بشأن مسارات التهريب، ومن بينها طريق السلفادور، وما يمثله من أهمية لشبكات العبور والإمداد والنفوذ المسلح في المنطقة، وعلاقة سلطات شرق ليبيا بها، وفقًا لما تناولته تقارير دولية حديثة وما تضمنته من اتهامات صريحة.
في النهاية، فإن إثارة مشاعر الجماهير واستخدام قنابل الدخان التي تسوقها اللجان المحسوبة على قوات شرق ليبيا لحلفائها باعتبارها دهاءً سياسيًا وحرصًا على مصالح البلاد، لا يمكن أن يصمدا طويلًا أمام الوعي الشعبي الليبي، الذي يستطيع كشف حقيقة من يستخدم هذه الأساليب للوصول إلى السلطة بأي ثمن، حتى باستخدام أساليب الميليشيات في التضليل والمناورة، بدلًا من الالتزام بأخلاقيات الدول التي تحترم شعبها وتاريخه النضالي وموقعها والأعراف الإنسانية.